Saturday, March 30, 2013

بحري - ٢٠١١

توقفت الكتابة في مدونة كيس فشار لسنوات عدة الآن، والأسباب كثيرة فلا مجال لذكرها. غير أنه سنحاول العودة بتناول أفلام روائية قصيرة لتحليل الإنتاج السينمائي "المستقل" الحالي من زوايا فنية وإنتاجية. نتعرض هذه المرة لفيلم روائي قصير من إنتاج ٢٠١١ بعنوان «بحري» تم تصويره في مدينة الإسكندرية بإنتاج ذاتي.
 

في مرحلة العودة ستتركز محاولاتي للكتابة حول الأفلام المصنوعة في الإسكندرية بيد مخرجين منها. ربما يتطور الحال لاحقًا بالإعتماد على الكتابات التي سيتحمس المتابعون والمهتمون من المشاهدين أو صناع السينما لإرسالها بهدف النشر هنا والمشاركة فيما نحاول فعله، وهو ما أتمناه عشان أنا بافرهَد.

بحري

فيلم بحري هو الفيلم الأول لمخرجه أحمد غنيمي بعد تخرجه من ورشة صناعة الفيلم الذي كان يرعاه چيزيت الإسكندرية. يعرّف مخرج الفيلم فليمه قائلًا: "يتجول عمرو وحيدًا في شوارع بحري، على الساحل الشرقي المهمش من الإسكندرية. وبينما كان يقوم بتصوير ما يراه مناسبًا كمادة لمشروعه الفني، أغراه مشهد لبعض الأطفال اللاهين، فترك للكاميرا العنان لتتبع حركاتهم، مما استفز رجلين من سكان المنطقة، ليكشف عن مشاعر متضاربة بين الخوف والرغبة."

تلخّص كلمات المخرج قصة الفيلم، بما لا يترك داعي للإسهاب في حكيها خاصةً وأنها طبقًا للمخرج قد حدثت بالفعل، وكتب السيناريو لها بنفسه. إيقاع السيناريو طوال مدة ١٢ دقيقة - هي زمن الفيلم - مصنوع بعناية وبقصدية تناسب شخص يستعيد مشهد ما أو موقف ليتأمله وينقله كما هو. فحالة المراقبة والحياد في عرض الشخصيات الثلاثة في الفيلم دون الإغراق في أي نوع من المشاعر هو الأسلوب الذي اختاره المخرج لصناعة فيلمه.

ربما كان المشهد الثالث في الفيلم، الذي يجمع
شخصية ياسر بشخصية عمرو في الكوخ دون وجود الشخصية الثالثة، ضابطًا لإيقاع السيناريو وناقلًا نوعيًا بين المشاهد التي تسبقه والتي تليه. ساعد على ذلك إيقاع المونتا
چ المستخدم في الفيلم كله. لكن تظل تفاصيل ذلك المشهد والحوار الدائر فيه بين الشخصيتين منفصلةً عن مسار القصة الرئيسية للفيلم، ويمكن استبداله بأي حوار آخر. تلك نقطة ضعف رغم خصوصية الحوار المستخدم نفسه. زاد من عبء المشهد الأداء المتخوف من (عمرو وشاحي) في أدائه لشخصية عمرو. لكن استخدام (أحمد غنيمي) لملامح وجوه الممثلين الثلاثة بتنوعها استخدامًا جيدًا بين لقطات واسعة وضيقة، ساعد (عمرو وشاحي) كثيرًا في الفيلم. فملامح وجهه المميزة وتعبيره الجامد كان مناسبًا لقصة الفيلم وشحنة الشخصية التي يؤديها في القصة، طبقًا بالطبع لاختيارات ووجهة نظر المخرج/كاتب السيناريو. غير أنه بأداء أكثر ثقة ربما اكتسبت تلك الشخصية ببعض التنوُّع المحسوب في التعبيرات ونبرة الصوت عمقًا، بدلًا من الإيقاع الرتيب الثابت الذي بحلول منتصف هذا المشهد كان عبئًا أنقذته طبيعة أماكن التصوير، والمونتاچ المتزن والثابت زمنيًا الذي قامت به (پيري معتز). أنقذته أيضًا ملامح وجه الممثل نفسها وتحديدًا استخدامه لها في آخر لقطة له في الفيلم.

الأداء التلقائي السلس الواثق من أفعاله وردود أفعاله الذي أدّاه (ياسر بلتاجي) في شخصية ياسر أكسب جو الفيلم ثقلًا لا يمكن إغفال أهميته. خدم ذلك رفيقه في قصة الفيلم الذي أدى دوره (محمد السيد)، فقد ساعده كمرآه تُظهرُه أوضح بفعل الإختلاف. وتنقل الإثنان بين دوري الشرطي الطيب والشرطي الشرير - في وجود عمرو -
بتفاهم دقيق وماهر نفذه (ياسر) على الشاشة وإن قاده (محمد) على الورق فقط.

تدور أحداث الفيلم عبر ليلة واحدة، تميز (إسلام كمال) في إضاءتها إضاءة هادئة تناسب الجو العام للفيلم. لم تكن الإضاءة في مشاهد الليل ولا مشهد النهار الأخير بالصخب والسطوع الذين يكشفا ما بداخل الشخصيات الثلاثة من تبادل سيطرة صامت. أيضًا لم تكن بالغموض والحدة اللذين يربكا الإنتقال الناعم في الحوار والنفوذ بين الثلاثة. هي إضاءة ضعيفة موّزعة بالعدل تتلمّس من خلالها الشخصيات قدر ما تستطيعه كي ترى بعضها. قبل أن تنجلي الأمور أخيرًا أمام البحر في قرار واحد نهائي يلقيه ياسر أمام البحر وتحت نور أبيض طبيعي ومحايد للشمس.


براعة الاستهلال والختام هما ما يميز أي فيلم سينمائي قَصُر أم طال، وإن كان بطبيعة الحال في الأفلام القصيرة هما ما يعطيان الفيلم نصف طاقته النفسية والجمالية تقريبًا.


Bahari short film teaser / بحرى فيلم قصير from Ahmed Ghoneimy on Vimeo.
---------------------------------
- يرجى في حال استخدام المحتوى في مكان آخر إبلاغ صاحب المدونة.

- قريبًا سيتم تناول فيلمي مشروع بلازا مكتبة الإسكندرية الأخير. «ألبان وادي النيل» إخراج محمد الحديدي، ٢٠١٢
و«سيدهم» إخراج مينا نبيل، ٢٠١٢.

Wednesday, January 21, 2009

Kurt Kuenne


لماذا يصنع المخرجين افلاما قصيرة ؟
هل  بسبب ضيق اليد؟ ... هل حلم كل مخرجين العالم ان يصنعوا افلام تجارية طويلة لكن بسبب عدم توفر الامكانيات فانهم يتجهون الى الافلام القصيرة؟
بحسب معلوماتى فان الفيلم التجارى الطويل محدد بزمن الساعة و نصف الى الثلاث ساعات و الفيلم القصير هو كل مايقل من ساعة ... الا تجد احيانا افلام طويلة لا تستحق ان تكون طويلة و ان صناعة يحاولون بكل السبل لجعل فكرتة تتحمل الاطاله لتصبح تجارية و تقبل العرض فى السينمات؟
الافلام القصيرة قد تتعدى الساعة و قد تقل لتصل الى الدقيقة احيانا ... الفكرة هنا و نوع الفيلم يحدد طوله و ليس العرض التجارى و ليس حلم المخرج بصتناعة فيلم طويل ليأخذ لقب مخرج رسميا
لهذة الاسباب اصبحت مهتم بالبحث عن الافلام القصيرة الى حد الهوس احيانا ... قد يقع تحت يدى احيانا افلام جيد احيانا ... و اصادف الكثير من ال(العك) فى الاغلب

Kurt Kuenne

هو مؤلف موسيقى للافلام اتجه مؤخرا الى الاخراج .. يكتب افلامه بنفسة و يصورها و يمنتجها و يؤلف موسيقاها ... قد اكون مع فكرة ان يصنع المخرج افلام وحدة تماما و قد اختلف مع الفكرة ... لكن كيرت بالفعل مميز ... شاهدت له 3 افلام مميزة جدا متوفرة على الانترنت ...و جميعا تقريبا حاصلة على جوائز فى عدة مهرجانات
اكثر ما لفت نظرى فى افلام كيرت انه يصنع افلام قصيرة لانها كتبت لتكون قصيرة و لا تطمح لان تكون اطول .. افكارة مميزة ... يعمل مع نفس فريق الممثلين الذين يعمل معهم طول الوقت ( انا احب هذا جدا) ...يصنع كل افلامة بالابيض و الاسود !!... و الاهم و هو ما شجعنى عن الكتابة عن هو هذا الرابط العجيب بين افلامه الثلاث التى شاهدتها له .. يكرر حدث بسيطة يحدث فى الفيلم فى فيلم اخر ,يجعلك هذا تشعر ان عالمه صغير جدا , دائرة صغيرة جدا تحدث فيها الاحداث

Validation
هو الفيلم الاول وهو من انتاج 2007 و هو المفضل لدى شخصيا ... بطل الفيلم هو ممثل تلفزيونى معروف نوعا
 

Rent-a-Person

من انتاج 2004 ... لاحظ الرابط بين الفيلمين فى لقطة واحدة داخل الاحداث


slow
هو فيلمه القصير الاجدد .. و يقرر هنا كيرت ان يكتب فيلم مثل حواديت الاطفال و يصنعة بتكنيك بسيط جدا لم يكلفة مليم ... و يؤكد على اسلوبة الذى يشبه االبصمة الشخصية فى خلق اللقطات الرابطة فى افلامه
 

الفيديو التالى هو ليس فيلما لكنه حوار تلفزيونى مع كيرت حول فيلمة التسجيلة الذى يصنعة منذ عدة سنوات وعرض بالسينمات مؤخرا و نجح بشكل ملحوظ جماهيريا الى جانب حصولة على عدة جوائز ... الفيلم انسانى جدا و شخصى بالنسبة للمخرج
 

Monday, August 18, 2008

إتش دبّـور

أغنية فيلم "إتش دبّـور"

منذ شاهدت تصوير أغنية فيلم (إتش دبّور) قبل أسبوعين من نزول الفيلم نفسه فى قاعات السينما و أنا متحمس لمشاهدته دون قلق, ليس فقط لأنه فيلم كوميدى يقوم ببطولته ممثل كوميدى جديد, لم يكرر نفسه بعد, لكن لأن كلمات و تصوير الأغنية أوضحا لى إلى أى مدى يريد "أحمد مكى" التعبير سينمائياً عن نفسه بعيداً عن كليشيهات الأفلام الكوميدية التى مللنا منها, و التى ربما لن نتذكرها بعد سنوات قليلة سوى بكلمتين فقط : "قديم أوى", فقد قرأت أن "مكى" قرّر أن يخرج قرب نهاية الفيلم من إطار شخصية "هيثم دبّـور" ذى الشعر الكنيش التى صنعت له كل شهرته منذ ظهر بها أول مرة فى حلقات (تامر و شوقية), حيث قال فى حواره المنشور فى موقع إيلاف حين سأله "محمد عبد العزيز" عن سبب حلاقته لشعره قرب نهاية أحداث الفيلم : (التاريخ موجود لمن يريد أن يتعلم منه، فبعد نجاح مسرحية «كشكش بيه» قرر نجيب الريحاني أن يقدم شخصية جديدة, إلا أن مسرحيته الجديدة لاقت فشلاً ذريعاً فأصيب الريحاني باكتئاب شديد و كان سيعتزل التمثيل، ثم لجأ إلى فكرة مختلفة و هي أن يخلع الطربوش و الذقن في نهاية المسرحية الجديدة, حتي يربط الناس بين شكله الحقيقي وبين «كشكش بيه». و أعاد الريحاني عرض المسرحية الفاشلة فنجحت نجاحاً ساحقاً، لذا كان لازم أعمل نقلة نجيب الريحاني، لكن في 2008، فاستغليت نجاح الشخصية في أن أتخلص منها. والحمد لله لاحظت إعجاب الناس بالمشهد في السينما), إذن فـ "مكى" يعى إلى حد كبير أن الكليشيهات عمرها قصير, و أن الجمهور مهما أحبّ شيئاً فهو سرعان ما يتعود عليه و يمل منه فى النهاية باحثاً عن الجديد.

هكذا نجح "أحمد مكى" فى لفت انتباهى إليه فى أول فيلم روائى كوميدى يقوم ببطولته, بعد أن كان قد أخرج فيلم (الحاسة السابعة) من بطولة "أحمد الفيشاوى" بنكهة مختلفة عن الأفلام الكوميدية وقتها و حتى الآن, لم أخرج من (إتش دبّـور) نادماً على الإطلاق, فالكوميديا فى الفيلم ابتعدت عن الافتعال فضلاً عن كونها غير مطروقة فى الأفلام المصرية, ناهيك عن التحايل الذكى فى استخدام كلمات و مصطلحات "أبيحة" يستخدمها الكثيرون باستمرار فى حياتهم اليومية دون أن يتسبب ذلك فى مشاكل رقابية للفيلم كعامل مميز يأتى بعد كونها حيل ظريفة فى حد ذاتها و إن كان الإعلان الدعائى قد استنفذها كلها, فقدم "مكى" مع مخرج الفيلم "أحمد الجندى" حلولاً جديدة على السينما فى مصر لكثير من الألفاظ الـ "أبيحة", من ضمن هذه الحلول لجوئهما إلى كتم شريط الصوت فى أحد المشاهد التى يتشاجر فيها "دبّـور" ليسب صديقه الجديد "كالوشا/سامح حسين" بمنتهى الحرية بعد نوبة من نوبات غبائه التى اشتهر بها فى السينما و التليفزيون, أداء "مكى" التلقائى فى هذا المشهد و فى غيره من المشاهد نجح فى خلق حالة من الضحك الهستيرى بين الجمهور فى قاعة العرض التى حضرت فيها الفيلم بالإسكندرية.

عند ذكر قاعات السينما يجب القول أنى حضرت الفيلم فى حفلة 8 – موعد جديد لحفلات السينما – بسينما رويال رينيسانس فى محطة الرمل, و هى من القاعات المحترمة فى طريقة عرضها للأفلام, أبسط الأشياء أنهم لم يضيئوا نور القاعة إلا بعد انتهاء تترات النهاية, على غير العادة فى قاعات السينما الأخرى التى تكاد تطرد الناس قرب نهاية الفيلم لتسرع ببدء الحفلة التالية, و كأن تترات النهاية فى الأفلام لا يظهر بها أسماء كل من ساهم و بذل جهداً فى الفيلم حتى يراه الناس, و كأنهم غرباء, متطفلين لا حاجة إليهم طالما أن الفيلم انتهى, على طريقة "خلصت حاجتى من عند جارتى" !!

"أحمد مكى" هو صاحب فكرة الفيلم, ليكتب السيناريو كلاً من "أحمد فهمى" و "محمد المعتصم" بابتكار و سلاسة فى تطوير الكوميديا التى جاءت مختلفةً عما كتباه معاً من إفيهات و جمل حوار لـ "أحمد حلمى" فى فيلمه قبل الأخير (كده رضا), فـ (إتش دبّـور) يحكى تجربة "إتش دبّـور" الشاب الثرى المرفه ابن رجل الأعمال "دبّـور/حسن حسنى", صاحب شركة مستحضرات تجميل الذى يتعرض للسجن نتيجة تلاعب منافسته فى السوق - سيدة الأعمال "هالة فاخر" - فى التركيبة الكيميائية لمنتجه الجديد (شامبو Hairy Hair), بمساعدة "شعراوى/معتز التونى" أحد الكيميائيين العاملين فى شركات "دبّـور", ليضطر "دبّـور" الإبن إلى ترك حياة الترفيه و "الصياعة" التى كان يعيشها, بعد أن تنكر له أصدقاؤه متهربين من مساعدته و انتشاله مما حدث لحياته, فلا يجد المساعدة سوى من سائقه "السريانوسى/لطفى لبيب" الذى يستضيفه فى حارة شعبية يعيش فيها مع ابنته "أرواح/إنجى وجدان", ليبدأ "إتش دبّـور" محاولات التأقلم مع جو الحارة, بشكل يختلف عن "علاء ولى الدين" فى فيلم (ابن عز), رغم تشابهما فى التيمة الرئيسية, إلّا أن السيناريو هنا أكثر حيوية, فعلى مدار معظم مشاهد الفيلم كانت هناك الكثير من الكوميديا الساخرة المبتكرة و البعيدة عن التكرار و التنميط المتوقع فى مثل هذه النوعية من الأفلام, دراما الفيلم تنشأ بشكل أساسى على التناقض بين شخصية "دبّـور" الأليطة جداً, و بين الحياة التى يجب عليه الإنخراط فيها داخل الحارة, ففى الحارة قابل شخصياتٍ جديدةً عليه و متنوعة... الصينيان النموذجيان "بينج" و "بونج" الذان يمتلكان عربة فول فى أحد أركان الحارة يأكل عندهما الجميع صباحاً, الكهل "محمد عبد المعطى" الذى يمتلك محلاً لتأجير شرائط الفيديو, يكتب سيناريوهات مستهلكة معتقداً أن كل ما يكتبه قد تمت سرقته من الآخرين, منها أفلام هندية و أمريكية معروفة, ثم ذلك الشاب العاطل "كالوشا/سامح حسين" الذى يتعرف عليه فى أول ساعات دخوله الحارة سكراناً مرتمياً فوق عربة كارو أثناء زواج أمه فى إحدى ساحات الحارة من شاب أصغر منها و منه, و "أرواح" ابنة سائقه القديم "سريانوسى" التى كانت بداية تعارفهما ذلك الصوت المميز للـ Windows صادراً من غرفتها, ثم تتوثق علاقتهما فى نفس المشهد من خلال نطقها المميز للغة الإنجليزية.

هكذا اكتملت الشخصيات التى بنيت عليها قصة الفيلم, ليأتى السيناريو - رغم احتوائه على عدة مشاهد زائدة أخلّت بالإيقاع السلس للكوميديا فيه كمشاهد "هالة فاخر" مع "معتز التونى" - جديداً متدفقاً بفضل حيوية بقية الممثلين و تفاهمهم فى مشاهد كوميدية مميزة جداً, منها مشهد دخول "إتش دبّـور" الحمام بعد أكلة فول عند "بينج" و "بونج" و سيجارة كليوباترا سوبر من "السريانوسى", جاء أداء "أحمد مكى" فى هذا المشهد إلى جانب حجم اللقطات التى إختارها المخرج "أحمد الجندى" و المونتاج و المؤثرات الصوتية الموجودة ليصنع مشهداً مضحكاً بهستيريا, لتساعد كل هذه العناصر باستمرار فى صنع نكهة خاصة للفيلم, فنفس العناصر تكررت فى الفيلم فى أكثر من مشهد, كمشهد تناول فيه "إتش دبّـور" و صديقه "كالوشا" كل أنواع المخدارت و المكيِّفات و الكحوليات الممكنة و بكل الطرق, مدة المشهد لم تكن قصيرة و تم تصويره من زاوية واحدة فقط, لكنه جاء ذكياً و مسلّياً جداً لأنه نجح فى مداعبة التجارب الواقعية التى عايشها المشاهدين فى مثل هذه السهرات, فعبر عنها المشهد باتقان شديد و بمحاكاة تبعث الضحك بالتأكيد, كذلك المشهد الذى يضطر فيه "إتش" إلى العمل كمنادى للركاب خلف "السريانوسى" فى الميكروباص الذى يقوده, تصاعد الكوميديا و السخرية من كل شئ فى هذا المشهد جاء متقناً, بدءاً من طريقة ندائه و انتهاءاً بالركاب أنفسهم... كلها مشاهد تعتمد على زاوية ثابتة يختارها المخرج ثم ينسقها منسق الديكورات, ليتركوها بعد ذلك إلى الممثلين القائمين بالمشهد فيمرحوا فيها بطريقتهم و مخزونهم الخاص, خالقين جواً تلقائياً جديداً فى تفاصيله.

العناصر الفنية فى الفيلم لم تكن مميزة أو استثنائية, فقد جاءت بسيطة ربما لتناسب ما أراده صنّاع الفيلم (لم يقلل منها سوى بعض المشاهد المكتوبة باستسهال فى السيناريو على فترات, لتأتى خارج الجو العام للفيلم أقل من بقية المشاهد, فضلاً عن تصوير بلا خطة أو هدف معينين, فقط كتحصيل حاصل لتسجيل ما يحدث), فديكور الحارة بسيط بلا افتعال, ميزته الألوان و الخطوط العام لحركة الممثلين فى الممرات بين البيوت, كذلك ديكور شقة "السريانوسى", و ملابس الشخصيات التى جاءت مطابقة لحالة الـ Characterization التى تعمد السيناريو ترسيخها منذ البداية, سواء ملابس الطبقة الثرية التى جاء منها "دبّـور" أو ملابس الشخصيات التى احتك بها فى حارة "السريانوسى", ساعد على ذلك اختيار الممثلين فى الأدوار المناسبة لهم, شاملاً الممثلين الثانويين الآتين من سلسلة إعلانات ميلودى بنفس شخصياتهم, ليظهروا تباعاً فى السيناريو فى المكان و الزمان المناسبين, يقطع كل ذلك مشاهد "هالة فاخر" و "معتز التونى", تكرر الأمر حتى وضح لى أن كاتبا السيناريو لم يهتما كثيراً بالابتكار فى هذه المشاهد, فكانت تأتى فقط لتذكرنا بقصة الفيلم الأساسية و هى قضية "دبّـور" الكبير المحبوس بسبب شامبو Hairy Hair, لتصبح سبباً رئيسياً فى ارتباك الإيقاع على فترات.

نجحت بقية المشاهد - أو الإسكتشات المترابطة - فى إعادة الفيلم إلى جوه الساخر من كل شئ, و أى شئ يعيشه أو يشاهده الجمهور المصرى فى القنوات الفضائية أو على صفحات الجرائد أو حتى فى تعاملاتهم اليومية... فمن سيسخر - بذكاء - من التفاصيل اليومية التى يعيشها أو يمارسها غالبية الشعب المصرى سيلقى نجاحاً الآن و سنتذكره لاحقاً, لذا دأب السيناريو على السخرية و كسر الكليشيهات الثابتة المرتبطة فى الأذهان بالأشياء اليومية الموجودة فى كل مكان مستخدماً تيمات موسيقية مشهورة من مسلسلات و عروض العرائس الأجنبية, "أحمد مكى" نفسه كسر الهيئة المعتادة لشخصية "إتش دبّـور", فخلع باروكته الكنيش - دون أن يسخر من صلعته التى ظهرت لامعة تحت الباروكة !! - و سلسلته الفضية (H) قرب نهاية الفيلم, ثم أَغْرَقَ الفيلم فى تيمة الفقراء أجدع من الأثرياء, مما ذكرنى بنفس المقارنة الساذجة بين الطبقتين فى فيلم (لو كنت غنى) الذى قام "بشارة واكيم" ببطولته فى الأربعينات, هذه النهاية المحروقة و المكررة, فضلاً عن الـ "المستند الخطير" الذى يتواجد بملل فى السيناريوهات ليحل أزمة الشخصيات الطيبة ضد الشخصيات الشريرة فى كل الأفلام الكوميدية و غير الكوميدية, قللا كثيراً من استمتاعى بالفيلم, تبقت لّى فقط لحظات هستيريا الضحك المبتكرة فى كتابتها و تنفيذها لتجعلنى أنصح كل صديق أقابله بعد المشاهدة أن يشاهد الفيلم, ربما يكون فيلم (إتش دبّـور) أقرب إلى المشاهد من فيلم (الحاسة السابعة) الذى أخرجه "أحمد مكى" بسبب كاركتر "إتش دبّـور" نفسه الذى اشتهر لدى المشاهد, أو بسبب تواجد الشخصيات فى طبقة اجتماعية و اقتصادية أوسع يسخر منها الجميع, لكنه جاء أقل فنياً, ربما أجرأ, لكنه أقل, يكفيه فقط أنه قد قالها هنا صريحة واضحة لـ "أرواح" فى بداية تعارفهما : الفرق بين الـ B و الـ P... زى الفرق بين الـ S و الـ T.

Tuesday, August 05, 2008

الإيقاع أفضل أدواته و أضعفها الإلقاء : يوسف شاهين شاعراً

في الكثير من أفلام يوسف شاهين, خاصة التي صنعها في السبعينيات والثمانينيات, تكتسب لغته السينمائية قدرة علي الإيحاء والتعبير عما يتجاوز سطح الصورة ورؤية بليغة للعالم, أو perspective eloquent, كما يسميها "ماركيز" في كتاب "رائحة الجوافة", و التي تميز الأديب الحقيقي من عدمه. أهم خصائص هذه الرؤية الشعرية أن يكون الإسلوب نفسه هو جوهرها. لا يمكن مثلا فصل رؤية ماركيز للعالم عن أسلوب الواقعية السحرية الذي أصبح في حد ذاته تعبيرا عن جوهر هذه الرؤية. بالنسبة لشاهين لا يمكن أيضا فصل مضمون أي من أفلامه عن اسلوبه الذي يتفشي في كل عناصر العمل من تصوير وتمثيل ومونتاج ..الخ, بحيث يمكن أن تتعرف علي أي من أفلامه, أو ما يشبهها في الإسلوب, بمجرد النظر اليها, حتي إذا لم تكن قد شاهدتها من قبل. هذه الرؤية يمكن أن نطلق عليها الواقعية النفسية, تمييزاً لها عن الواقعية الاجتماعية و الواقعية الاشتراكية اللذين هيمنا علي تاريخ السينما في مصر و أعاقا القدرة علي الاستمتاع و تقبل أنواع أخري من الأفلام لدي الغالبية الساحقة من الجمهور, لكن يظل هذا التعريف عاماً و لا يصف بدقة الإسلوب المتفرد لشاهين بين كل مخرجي العالم بغض النظر طبعاً عن تباين المستوي الفني لأفلامه.

من خصائص الشعر أيضاً أن يتجاوز الوسيط ( اللغة, الصورة ) وظيفته الوصفية الإخبارية المباشرة و يعود إلي منابعه كمثير حسي وجمالي للعقل, و في هذا المفهوم فإن سينما شاهين احتفالية و عيد للحواس و مثيرات المشاعر حتي و هي تتحدث عن وقائع و أفكار مباشرة جداً, وحتي لو كانت توثق هذه الوقائع ظاهريا, ومن العجيب مثلا أن قمة اللغة الشعرية عند شاهين تتجلي في أفلامه ذات النزعة التوثيقية مثل "الناس و النيل" و "القاهرة منورة بأهلها" و "العصفور" و "اسكندرية ليه؟". و مهما كان جفاف وتجريد الموضوع الذي يتناوله شاهين فهو يحول الشريط الي مثير حسي يخاطب العين والأذن قادراً - بقدرة الشعر السحرية - علي مخاطبة بقية الحواس الخمس أيضاً. من هنا اهتمامه البالغ بالموسيقي و الرقص و التشكيل كأدوات أساسية للتعبير الشعري.

شاهين و الموسيقي

لو لم يكن شاهين سينمائياً لكان قد أصبح موسيقيا بالتأكيد. حاول أن تتذكر واحداً من أفلامه و سوف يأتي إليك مصحوباً بالموسيقي و الأغاني المميزة له. في الظاهر يبدو أنه متأثر بالميلودراما الغنائية التي سادت السينما المصرية. هذا صحيح و لكن الأغاني في معظم هذه الأفلام لم يكن لها علاقة بنسيج الفيلم ككل, الهدف منها هو الاستماع الي أغان جيدة بجانب مشاهدة قصة سينمائية, أو العكس مشاهدة قصة سينمائية بجانب الاستماع إلي مطربك المفضل. الموسيقي و الأغاني في أفلام يوسف شاهين جزء عضوي لا يمكن فصله عن معني الفيلم وعن احساسك به. خذ عندك "عودة الإبن الضال" أو "العصفور" أو "اليوم السادس"... أو غيرها من أفلامه التي تلعب فيها الموسيقي دوراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله أو حتي حذف أو اضافة شئ هنا أو هناك. و مع هذا الاهتمام الشديد بموسيقي أفلامه و احتوائها غالباً علي استعراضات و أغان إلا أنك لن تجد - غالباً - إفراطاً في استخدامها باستثناء بعض أفلامه الأخيرة مما قد يكون ناتجا عن ضعف السمع الذي تفاقم لديه في سنواته الأخيرة و جعله أكثر ميلاً للأصوات المرتفعة.

و من الحكايات المعروفة مثلا أثناء اعداد أغنية "حدوتة مصرية" لـ "محمد منير" أنه كان يستمع إلي الأغنية كما تم تنفيذها في الإستديو حين بدأ يطلب من مهندس الصوت أن يلغي أصوات الآلات الموسيقية واحدة وراء الأخري, حتي لم يبق في النهاية سوي صوت الإيقاع و "محمد منير" فقط و هو الشكل الذي خرجت به الأغنية في النهاية. من المعروف أيضا أنه كان يجيد العزف علي البيانو و له بعض المحاولات التأليفية, و قد غامر في أحد أفلامه الأخيرة و هو "سكوت هنصور" بتلحين أحد استعراضات الفيلم بعد أن تأخر الموسيقار الراحل "كمال الطويل" عن تسليم اللحن في موعده. سعي شاهين في فترات من حياته الي إنجاز أفلام موسيقية خالصة, لعل أول هذه المحاولات كانت مع "ليلي مراد" في "سيدة القطار" و "فريد الأطرش" في "ودعت حبك" و لكن لم يستطع أن يخرج فيهما كثيرا عن نمط الأفلام الغنائية المصرية في ذلك الوقت.

في الستينيات حين سافر إلي لبنان قام بإخراج فيلم موسيقي كامل لـ "فيروز" هو "بياع الخواتم" المأخوذ عن مسرحية موسيقية, و لكن غلب عليه الشكل المسرحي الإستعراضي. المحاولة الأكثر اكتمالا لصياغة فيلم موسيقي كانت "عودة الإبن الضال" الذي يبدأ بعبارة (مأساة موسيقية) علي الشاشة, و كأنه مع مؤلف الفيلم "صلاح جاهين" كانا يضعان تعريفا لنوع فني جديد من الأفلام الموسيقية يميز المزاج و الميراث الموسيقي المصري و يتعارض مع نوع الكوميديا الموسيقية الهوليوودي الذي تحول إلي هجين غريب في السينما المصرية. "عودة الإبن الضال" نموذج مكتمل لما يمكن أن نطلق عليه مأساة موسيقية مصرية ولكن للأسف الشديد لم تستمر هذه المحاولة في أفلام لاحقة بعد أن تحول شاهين - الملول بطبعه وعاشق التغيير إلي سيرته الذاتية و الأفلام التاريخية بعد ذلك. و للأسف أيضاً لم ينتبه النقاد و لا السينمائيون إلي خصوصية و خصائص هذا الفيلم الفذ مما يحتاج إلي مقال آخر مفصل.

الشئ المبهر فيما يتعلق بالغناء والموسيقي في أعمال شاهين هو قدرته علي استشراف مستقبل الذوق الموسيقي العام, وليس الأمر فقط أنه اختار موسيقي نشيد (راجعين) لفيلمه "العصفور", وهو الفيلم الذي منعه وزير الثقافة في ذلك الوقت "يوسف السباعي" و لم يسمح بعرضه إلا بعد انتصار أكتوبر وتحولت موسيقاه إلي النشيد الوطني لمصر (قبل أن يقوم السادات بتغييره مرة أخري بنشيد بلادي), و لكن بصيرة شاهين العجيبة تتجلي في أن المطربين الذين بقوا من هذا العصر و المفضلين لدي الشباب المثقف الآن هم "الشيخ امام" و "ماجدة الرومي" و "محمد منير" الذين خرجت أصواتهم داخل قاعة عرض سينمائي لأول مرة علي يد يوسف شاهين. و رغم أنه عمل دائماً مع مؤلفين مصريين, يميلون للطابع الشرقي في الموسيقي غالباً, مثل "علي اسماعيل" و "كمال الطويل" و "عمر خيرت" و "محمد نوح", إلا أنهم يتميزون مثله بالفهم العلمي للوسيط الفني و لديهم القدرة مثله علي تطبيق المعايير العلمية العالمية علي موسيقاهم بحيث تستطيع أي أذن تقبلها واستساغتها. و فيما يتعلق بعمله في تركيب هذه الموسيقي علي مشاهد الأفلام ودمجها, بجوار الأغاني الأخري المستخدمة في المقدمة أو الخلفية و شريط الصوت بشكل عام, فقد كان لديه براعة نادرة في التوليف الصوتي (الميكساج) و في التوفيق بشكل خاص بين الموسيقات الشرقية والغربية داخل جديلة واحدة منسجمة ومتناسقة تماماً. أحد الأمثلة البارزة علي ذلك المقطع الذي يتوسط فيلم "اسكندرية كمان و كمان" عندما يغادر هو - في دور المخرج يحيي - و عمرو عبد الجليل - في دور تلميذه - قاعة ختام مهرجان كان في فرنسا بعد فشلهما في الحصول علي جائزة والمزج الموجع بين (ميلانخولية) "أم كلثوم" في أغنية "فات الميعاد" وبين إحدي الأغاني الفرنسية الشعبية التي تعزف علي الأكورديون.

شاهين هو أيضا المخرج الوحيد الذي ظهر ألبوم باسمه يحمل بعض موسيقي و أغاني أفلامه في الثمانينيات. الألبوم ضم أغاني لـ "ماجدة الرومي" في "عودة الإبن الضال" و "محمد منير" في "حدوتة مصرية" و "الشيخ إمام" وأداء الكورال لنشيد (راجعين) للموسيقار "علي اسماعيل", و الطريف أنه ضم أيضا بعض المقاطع الحوارية من فيلمي "الأرض" و "الناصر صلاح الدين". هذا بالطبع أمر مختلف عن الألبومات التي تصدر باسم المطربين وتضم أغانيهم في الأفلام, أو الألبومات التي تصدر بمصاحبة الأفلام كنوع من الدعاية المتبادلة بينهما, وبالطبع تختلف عن الـ فيديوكليب الذي يتم عرضه علي القنوات الفضائية كدعاية مباشرة للأفلام. الموسيقي عند شاهين تتجاوز هذا الدور التكميلي التجميلي وتنحو الي أن تصبح صوت الصورة نفسها - اذا أمكن للصورة أن يكون لها صوت - ولعلها تهدف أيضاً إلي تعويض مالا يمكن قوله بالكلمات... بالحوار, الذي رغم كثرته, أو ربما بسبب كثرته, يظل أضعف ما في أفلام يوسف شاهين وأقل عناصرها شاعرية.

شاهين و الرقص

لم يكن اهتمام شاهين بالرقص أقل من اهتمامه بالموسيقي حتي اتهمه البعض بتتفيه القضايا السياسية واختزالها في الرقص كما في المصير, أو في جعل قرداتي يعزف ويجيد رقصات "جين كيلي" و "فريد أستير" كما في "اليوم السادس". الرقص عند شاهين هو قمة فنون الأداء التعبيرية وحتي في الأفلام التي لا تحتوي علي رقصات فإن حركة الممثلين داخل الكادر وحركة الكاميرا من حولهم ترسم خطوات راقصة مرسومة بدقة. و هو عندما تخيل أن له ابناً في آخر عمل عن سيرته الذاتية "اسكندرية نيويورك" جعله راقصاً, و يمكن تتبع هذا الخط منذ "اسكندرية ليه؟" الذي يروي فيه جزءاً من فترة مراهقته من خلال شخصية (يحيي) التي أداها "محسن محيي الدين". في عدد من المشاهد نعرف شغف يحيي بالرقص و إجادته له بجانب عشقه للتمثيل, و عندما يتحول "محسن محيي الدين" إلي امتداد معنوي له يصر علي تعليمه الرقص ليصنع منه فناناً استعراضياً شاملاً كما فعل في "اليوم السادس", و هو يشير الي هذه الوقائع في الجزء الثالث من الثلاثية "اسكندرية كمان وكمان", من خلال علاقة المخرج (يحيي) بتلميذه, و هذه المرة يسعي إلي تحقيق حلم الرقص من خلال اكتشافه الجديد "عمرو عبد الجليل" الذي يؤدي "دور محسن محيي الدين"! الرقص عند شاهين ليس فقط معادلاً للفن في مقابل الحياة, و لكنه معادل للحرية في مقابل الكبت كما في المصير حيث يقع الشاب (عبدالله/هاني سلامة) ضحية الصراع بين حبه للرقص وبين ميله للتطرف الديني. و يدرك شاهين بحسه الفطري هنا العلاقة الوثيقة بين الرقص و الفن باعتباره أقدم أنواع الفنون - و العبادات أيضاً عندما كان الفن جزءاً من الدين, أو العكس.

شاهين و التشكيل

أهم ما في اسلوب شاهين كمخرج, بعد الإيقاع المتدفق و الحركة الدائبة الرشيقة بين المشاهد واللقطات, هو تكوين الكادر الذي يبدو كما لو أن هناك رغبة في تحويل كل لقطة إلي لوحة تشكيلية حية. و غالباً ما يتشكل التكوين في لقطاته من مقدمة للكادر وعمق تحتلهما الشخصيات ومن إطار علي الجانبين أو أعلي و أسفل من الديكور و الإكسسوارات, و من القليل جداً أن تجد في أفلام شاهين كادراً مفتوحاً أو عشوائي التكوين, و غالبا مايتم التنسيق بين حركة الممثلين و حركة الكاميرا لرسم تكوينات جديدة داخل اللقطة الواحدة. و بجانب التكوين هناك بالطبع حرص علي اختيار الألوان والإضاءة بشكل يتناسب مع احساسه بالمشهد و الإحساس الذي يريد توصيله من خلاله... و مع أن هذه بديهيات عمل المخرج السينمائي, إلا أن الكثيرين يتجاهلونها أو لا يجيدونها بسبب الحركة الدائمة في الصورة السينمائية أو ظروف التصوير التي قد يصعب معها التحكم في كل هذه العناصر في نفس الوقت, أو ببساطة لأنه ليس لديهم ثقافة تشكيلية. و يبدو أن خبرة شاهين بالمسرح التي اكتسبها من خلال دراسته في الولايات المتحدة قد خلقت لديه هذا الإحساس الشديد بالتكوين والتفكير في اللقطة باعتبارها مشهداً مسرحياً متكاملاً.

شاهين و الأدب

من الطبيعي أن يوسف شاهين سعي, خاصة في منتصف حياته المهنية عندما ازداد نضجاً فنياً و وعياً سياسياً و اجتماعياً, و توسعت دائرة معارفه بأهل الثقافة, إلي التعاون مع أدباء و مفكرين معروفين. بدأ هذا التعاون مع فيلم جميلة في عام 1958 الذي كان بداية تفتحه علي عالم السياسة أيضاً, حيث شارك في كتابة السيناريو كل من "يوسف السباعي" و "نجيب محفوظ" و "عبد الرحمن الشرقاوي". ثم تكرر التعاون مع هذه الأسماء في "الناصر صلاح الدين" , و مع نجيب محفوظ في "الإختيار" ثم مع عبد الرحمن الشرقاوي في "الأرض", وهو أحد الأعمال النادرة التي أخذها عن نص أدبي معروف لم يتكرر إلا مع رواية اليوم السادس للأديبة الفرنسية المصرية "أندريه شديد".

عمل شاهين أيضاً مع "حسن فؤاد", الذي شاركه في كتابة سيناريو "الأرض" و مع "لطفي الخولي" في "العصفور" و "صلاح جاهين" في "عودة الإبن الضال", و "يوسف إدريس" في "حدوتة مصرية". لم تكن العلاقة بين شاهين و كتاب سيناريوهات أفلامه علي ما يرام دائماً, ليس فقط لأنه كان يفهم و يعشق الوسط السينمائي أكثر بكثير من حبه للأدب, و لكن أيضاً لأنه كان يفرض رؤيته و وجهة نظره علي أي سيناريو خاصة منذ أن بدأت أفلامه تصبح أكثر التصاقا به, أي منذ اسكندرية ليه؟. و أعتقد أنه حتي لم يكن قارئاً جيداً للأدب. و خلافه الشهير مع "يوسف إدريس" أثناء عمل "حدوتة مصرية" يدل علي أنه لم يكن يؤمن بقدسية النص الأدبي, و حتي رواية "اليوم السادس" قام بعمل تعديلات كثيرة عليها غيرت من مضمون العمل و معناه. يمكننا أن نقول, في النهاية, أن الشعر في أعمال شاهين متين العناصر فيما يتعلق بالإيقاع و الموسيقي و الصورة الشعرية, و لكنه أضعف فيما يتعلق بلغة الكلام, غير أن هذا العيب يتلاشي تماماً في الأعمال التي شهدت تعاوناً صحياً مع كتاب متمكنين من اللغة كما في "الأرض" و "الإختيار" و "العصفور" و "عودة الإبن الضال".

------------------------

المقال للناقد السينمائى "عصام زكريا" تم نشره هذا الأسبوع, فى العدد رقم 786 من جريدة (أخبار الأدب).

Monday, July 14, 2008

لمبة نيون

الكتابة عن فيلم "لمبة نيون" ستكون مربكة, لكنها ضرورية جداً لصناع الفيلم و لصناعة الفيلم المستقل بشكل عام, باعتباره فيلم مكتمل العناصر إلى حد بعيد, لكن كتابتى عنه ستشوبه الكثير من الأسئلة و العديد من مناطق الخلط بين ما هو شخصى و ما هو موضوعى, النية العامة فى الكتابة الآن هى تحرّى الموضوعية لأن الفيلم يستحق ذلك, بل و يفرضه على كل من سيبدى رأيه كتابةً.

الجانب الشخصى سيتدخل بسبب بمعرفتى الشخصية بصناع الفيلم, ابتداءاً بـ "شارل عقل" صاحب القصة و كاتب السيناريو, مروراً بمصممى التترات ثم انتهاءاً بالحالة النفسية المبهجة التى أجمع عليها المشاهدون, الفيلم مبهج فعلاً بألوانه و مونتاجه, العناصر فى معظمها جاءت متناسقة بأزرق جميل, و هو ما يحسب لـ "عماد ماهر" المخرج و المشارك فى الإنتاج, سأبدأ بشريط الصوت لـ "سمير نبيل" الذى رغم الهفوات الموجودة هنا أو هناك إلا أنه نجح فى تكوين شريط صوت يجرفك معه داخل الأحداث دون الشعور بالملل, حتى و إن لم نلحظ التيمة الرئيسية للقصة المكتوبة فى النص المصاحب للفيلم.

اختيار الممثلين نقطة أساسية فى الفيلم لدى, فهم مناسبون للغاية و بشكل كامل تقريباً, شخصيات الفيلم الأساسية خمسة إلى جانب "حودة" صاحب المقهى, و مكوجى عجوز "عم وجدى" لم يكترث بتوصيل التيار الكهربى أثناء مغامرة "عجمى" الأساسية التى بنى عليها الحدث الرئيسى, فـ "عجمى" و صديقيه الآخرين – لن أسميهم عصابة رغم الإغراء القوى – يجتمعون معاً على مقهاهم بترتيب جلوس ثابت, لينتهى الأمر بهم دائماً إلى الهرب من دفع الحساب لـ " حودة" صاحب المقهى بعد مغامراتهم داخل فيلم روائى قصير, طوله 25 دقيقة لن يشعر أحد بمرورها بشكل قطعى و هذا يحسب للمخرج.

القصة الأساسية تنشأ نتيجة إحتكاك عفوى يحدث بين شاب و فتاة يمران بمنزلق صعب فى علاقتهما, مع مجموعة من الشباب تحاول التقاط رزقها بشتى الوسائل, يبدأ الفيلم بإحداها قبل نزول تترات البداية, نسمعها من "عجمى" أثناء حكيه لأصدقائه قبل أن يقرروا الفرار من المقهى هرباً من دفع الحساب, فى هذا المشهد الافتتاحى نتعرف على ثلاثتهم : "مارك لطفى/مشرف" و "مصطفى أبو سريع/عجمى" و "محمد كريم/سعد", ثم نتعرف على الطرف الآخر من القصة و هو علاقة "شادى الجرف/سمير" بحبيبته "مى وليد/رانيا", الذان يمران بحالة من غياب التواصل بينهما, سببها على الأرجح هو مزاج "سمير", و هو الشخصية الأكثر تعقيداً فى الفيلم, بتفاصيله التى كتبها "شارل", ككيس التفاح الذى يحمله معه طوال الفيلم ليأكل منه و قطع غيار مصابيح النيون التى يحتفظ بها فى جيبه, و هى تفاصيل لم أستسغها فى سياق الفيلم, تظهر هذه التفاصيل داخل علاقتهما إلى جانب تعبيرات "شادى الجرف" المتجهمة, اللا منفعلة, اللا متحمسة و الغير راضية بالتأكيد, و هو ما أضاف إلىّ الاحساس بجودة اختيار الممثلين فى الفيلم.

يقترح "مشرف" حاملاً كتابه الضخم و مناديله المستعملة باستمرار, أن يستغلوا أى اثنين من الحبّيبة فى أحد الشوارع الخلفية فى عملية سطو مسلح, لأنهما سيكونا فريسةً سهلة نظراً لحالة الهيام التى من المفترض أن يعيشها كل اتنين حبّيبة, فأوقعهم الحظ مع "سمير" و "رانيا" و هكذا حدث الإحتكاك بين الخطين الدراميين الذين صنعهما "شارل" منذ بداية الفيلم.

عند هذه النقطة حدث لى ارتباك بسيط و حتى نهاية الفيلم حتى و لو لم يفقدنى متعة المشاهدة لأن "شارل عقل" نجح فى تهيئتى لمتابعة ما يحدث منذ البداية, ربما كان الارتباك لأنى توقعت تعقيداً أكثر فى الأحداث, ثقلاً أكثر, خاصة بعد الحوارات المتصلة بين "سمير" و "رانيا" بدءاً من الحديث عن الانتحار فى الكافتيريا التى التقيا فيها, ثم أثناء سيرهما معاً داخل أحد أنفاق المشاة أسفل الكورنيش, فى واحد من أجمل مشاهد الفيلم بصرياً لأكثر من سبب, أهمها مكان التصوير ثم المونتاج و الألوان, إلى جانب مشاهد الجراج الذى يجتمع فيه "عجمى" و "مشرف" و "سعد", فالديكور فيها كان مميزاً و تكوين اللقطات كان واضحاً فيها الاعتناء بالتفاصيل.

فقد تغير الأمر فى الفيلم بعد ذلك, ليطغى "مصطفى أبو سريع" فى المشاهد الذى ظهر فيها, و نجح فى انتزاع الضحكات بتلقائية و خفة دم, رغم استخدامه أسلوباً ذا حدين فى الكوميديا, التشنجات و العصبية, لكن اختيار الممثلين مرة أخرى كان موفقاً للغاية من وجهة نظرى, خاصة التكوين الجسمانى المتنوع للثلاثة أصدقاء, تحديداً "مارك لطفى" العقل المخطط لهم, رغم لقطتين رأيته مبالغاً فيها بعض الشئ حين كان يخبرهم بخطة السطو المسلح على الحبّيبة و وافقوا.

الفيلم بسيط للغاية, نجح "عماد ماهر" فى صناعته بجو متماسك بصرياً, من خلال زوايا تصوير جيدة أضاءها "إسلام كمال" بتركيز شديد, فضلاً عن مونتاج سلس, عدا من لقطة واحدة أو لقطتين كسرتا الإيقاع لدىّ أثناء استعداد الثلاثة لاعتراض "سمير" و "رانيا" فى الممر, و لقطة إنتظار "عجمى" أسفل عمارة "سمير" التى باعتقادى جاءت أطول من المعتاد فى معدل طول لقطات المشهد و الفيلم بشكل عام.

لم أفهم علاقة العنوان بالفيلم, أو بأحداث السيناريو, فهمت ذلك من النص المصاحب الذى كتبه "شارل" و من بعض جمل الحوار, و لكن ذلك لم يظهر بالعمق الكافى فى نسخة العرض النهائية, لينتهى الفيلم بمشهد مماثل فى فكرته لمشهد البداية دون أن يضيف إضافة حقيقية, و بلقطة لـ "مى وليد" تبتسم فى سريرها جاءت مفاجئة لى فى سياق شخصية "رانيا" التى كانت تتحدث طوال الفيلم باحباط من تحاول إيصال أفكارها لمن حولها لكنه تفشل باستمرار, تملك "مى وليد" وجه مميز لم ينجح فى شغل اللقطات العامة كنجاحه فى إثراء اللقطات القريبة التى أجاد "عماد ماهر" اختيارها و تكوينها مع بطليه, فـ "شادى الجرف" هو أقل الشخصيات حديثاً و تواجداً, لكنه الشخصية الأكثر تعقيداً و حضوراً, لا من خلال التفاصيل التى كتبها له "شارل عقل" و لكن من خلال أدائه الهادئ المناسب أولاً للشخصية التى يؤديها و ثانياً لطبيعة الفيلم, خصوصاً مشاهده فى سريره التى جاءت محسوبة بالشعرة, و بحركات عفوية مناسبة فى شحنتها.

عند الحديث عن الموسيقى التصويرية فى الفيلم, أعترف أنى لست من المتحمسين لهذه النوعية من الإختيارات الموسيقية فى الأفلام, لكنها جاءت متوافقة مع الجو العام, على الأقل أغنية "بتبصلى كده ليه" القصيرة بامتياز فى أحداث الفيلم, كتبتها و غنتها "مى وليد", ربما لأنى سمعتها فى المكان المناسب داخل شريط الصوت و بالصوت المناسب تماماً, أما أغنية "الخونة طلعت تجرى" التى صاحبت تترات النهاية فلم تصلنى بنفس القوة رغم أنها الأقرب بكلماتها لأحداث الفيلم.

تبقى تحية خاصة جداً لممصمى تترات البداية و النهاية, "سلمى الدرديرى" و "عماد ماهر".

Tuesday, June 10, 2008

ورقة شفرة

فى أول بوست أكتبه فى مدونة (كيس فشار) قلت الآتى:

(بشكل عام أنا مش حريف نقد سينمائى, الفيلم الفلانى دا حلو عشان حلو, الفيلم التانى دا زبالة عشان زبالة... عندى الإعتقاد دايماً إن ممكن بنفس عدد الكلمات و ترتيبها, أقدر أوصلك شعور إن الفيلم دا حلو لو عاجبنى, و سخيف لو مش عاجبنى, الكلام فى السينما "تشويه", أياً كانت صحة قناعاتى أو خطأها الواحد لا يملك أمام أكياس الفشار سوى الاسترسال و زى ما تيجى).

قلت ذلك لأن ما كتبته بعدها و حتى الآن يمكن تسميته بالـ "تذوق" و هى مادة تدرس فى معظم معاهد الفنون حول العالم, و لا يندرج تحت مسمى الـ "نقد", قلت ذلك لأنى أكره تسمية ما أكتبه نقداً, بل و أكاد أتأكد بمرور الوقت أسباب تدهور النقد لدينا, فيما يخص الفنون تحديداً, ما أكتبه يسمونه فى الصحف و المجلات الغربية Review و هو ما يقوم به المحرر الفنى القائم بهذا العمل فى هذه الدوريات أو أى ناقد فنى - لكن الأخير لن يسمى مقالاته حينها "نقداً فنياً" - و على هذا الأساس يمكننى اعتبار مقالات "رفيق الصبان", "طارق الشناوى", "ماجدة خير الله", "نادر عدلى" و من على شاكلتهم من أصحاب الأعمدة الثابتة فى صفحات الفنون بجريدة الدستور و البديل, و المقالات الحديثة لـ "سمير فريد" فى الجرائد ذات الإتجاهات القومية و الليبرالية, الملفات الأسبوعية فى الجرائد الحكومية, و طبعاً مجلة جود نيوز سينما و البرامج الفنية التى تذاع مساءاً فى القنوات الفضائية لتعاد صباحاً... كلها كتابات تندرج تحت مسمى (أسوأ Reviews صحفية), لا أكثر لا أقل, لا يمكننى اعتبارها مادة مقبول تناولها ككتابات نقدية, بل إن البعض منها أقرأه ككتابات "نميمة", لا أنزعج منها, بل أعى حجمها حتى لا أصاب بخيبة أمل كلما قرأت عن فيلم قبل مشاهدته.

لهذا السبب لم أصاب بخيبة أمل حين قرأت المكتوب فى الصحف عن فيلم "ورقة شفرة" ثم شاهدته قبل أسبوع مع مجموعة من الأصدقاء, أصابتهم نفس حالة "البيضان" من الفيلم, بدايةً من جملة "للصغار فقط" المكتوبة على واحد من أسوأ إفيشات الأفلام و حتى آخر لقطة فى الفيلم جاءت لتعبر عن رؤية صنّاع الفيلم لشعورىْ : "السعادة" و "المرح".

يجب أن أستبعد "أحمد الفيشاوى" فى أدائه لشخصية إكرامى من الأسباب اللى "بضنتنى" فى الفيلم, و أضم إليها آلة العرض الرديئة الموجودة فى قاعة 4 فى سينما مترو بالإسكندرية.

Wednesday, February 20, 2008

عن الصنعة

من السهل أن تعتبر كلامى هذه المرة مزايدة رخيصة منى على فيلمين مصريّين عرضا فى موسم عيد الأضحى الماضى, لكنى فى الحقيقة غير مهتم على الإطلاق بهذين الفيلمين, فضلاً عن أنهما نجحا فى إستنزاف صحتى لفترة معقولة جداً بعد خروجى من السينما و لا داعى لمزيد, كل ما سأذكره يتلخص فى نقطتين بسيطتين تعتمدان على مفهوم "الدقة" فى صناعة السينما لا أكثر, لأنه كثر الترويج لفكرة أن المخرجين الجدد يجيدون صنعتهم و أن هذا مهم فى صناعة كصناعة السينما أكثر من غيره, لذا لن أتعرض هنا لتوجهات أو رؤى فنية لهذين المخرجين فقد أُسْقطت تماماً, سأتعرض لمدى دقتهم فى صناعة أفلامهم ذاكراً مثالاً بسيطاً للمخرج الإيطالى الشهير Luchino Visconti من فيلمه الرائع La Caduta degli dei أو "الملاعين" الذى أخرجه عام 1969, إن العصر الذى تدور حوله أجواء الفيلم هو العلاقات داخل عائلة ارستقراطية ألمانية بين الحربين العالميتين الأولى و الثانية, فى تصوير هذا الفيلم وضع "منسق المناظر" لوحةً ما فى قصر البارون Von Essenbeck, رآها Luchino Visconti فأخبر منسق المناظر أن هذه اللوحة لم يكن ليضعها بارون ألمانى فى هذا العصر, لأنها لا تعتبر من الفن الأصيل المناسب لقصور البارونات, رد عليه "منسق المناظر" ناقلاً وجهه بين اللوحة و بين المخرج قائلاً أن اللوحة ستظهر سريعاً فى اللقطة و لن تلفت انتباه أحد فى النسخة النهائية للفيلم خاصةً أنها مُعّلقة وسط كم هائل من اللوحات يزين بها البارون حوائط قصره, أخبره Luchino Visconti بأنه يكفى جداً أنها قد لفتت انتباهه, و من الوارد جداً أن تلفت انتباه مشاهد واحد ذكى سيهتم به Luchino Visconti أكثر من غيرِه من مشاهدى فيلمه.

1- فى فيلم "خارج على القانون" للمخرج (أحمد نادر جلال) إذا ما كنت رأيت هذا الفيلم العيد الماضى, يقوم ظابط مباحث المخدرات (أحمد سعيد عبد الغنى) بمراجعة ملف القضية الخاصة بمقتل (محمود الجندى) والد (كريم عبد العزيز) فى الفيلم, تلك القضية التى قتلته فيها قوات البوليس أمام عائلته بعد حصار منزله لأنه كان يتاجر فى المخدرات, يراجع (أحمد سعيد عبد الغنى) هذا الملف الضخم فى لقطات سريعة Photo Montage, من زوايا مختلفة ليلاً و هو جالس أمام مكتبه يرتدى حزام المسدس أسفل إبطه, إذا ما دققت النظر فى تلك اللقطات القريبة للورق الملقى أمامه فوق سطح المكتب ستجد أنها أوراق سيناريو الفيلم الذى كتبه (بلال فضل), و ستجد أن الصفحات معنونة بـ "المشهد رقم (12) نهار/خارجى", إذ يبدو هنا أن مساعدين المخرج تحت التمرين و مساعد المخرج الأول و المصور و منسق الديكور لم يجدوا ملفات ليضعوها أمام (أحمد سعيد عبد الغنى) وقت تصوير هذه اللقطة بالذات فألقوا بسيناريو الفيلم نفسه على سطح المكتب إنقاذاً للموقف.

2- فى فيلم "حين ميسرة" للمخرج (خالد يوسف) عندما يقوم (أحمد بدير) بتهديد (عمرو سعد) أمام جماعته الدينية المتطرفة, ينتقل من مؤخرة الكادر حيث كان يجلس إلى جوار (عمرو سعد) على الكنبة البلدى إلى مقدمة الكادر تماماً على مقعد أمام جهاز الكمبيوتر الذى يتراسل عن طريقه مع الزعماء الكبار للجماعة, جميع من شاهد معى الفيلم فى السينما لاحظ حركة أصابع (أحمد بدير) على الـ Keyboard, جميع من معى لاحظ أن توجيهات (خالد يوسف) لـ (أحمد بدير) قبل تصوير هذه اللقطة كانت كالتالى : "حضرتك يا أستاذ أحمد هاتقوم من الكنبة دى و تمشى لغاية الكمبيوتر تقعد تعمل نفسك بتكتب على الكمبيوتر حاجة عشان تبان مهم و بتشتغل بتكنولوجيا متقدمة, هاتقعد تخبط على الـ Keyboard بصوابعك بسرعة و انت باصص للشاشة أدامك .. كمان مرة معلش يا أستاذ أحمد بعد إذنك .. و انت اييييييه!!! باصص للشاشة أدامك, عشان يبان إنك صايع كمبيوتر و راجل خطير, لأن دا دورك فى الفيلم اللى الناس المفروض عرفته خلاص فى تسلسل الدراما فى الفيلم" و قد نفذ (أحمد بدير) طلبات المخرج بحذافيرها, ليظهر فى النهاية بضرباته على أزرار الـ Keyboard كرجل خطير لا يكترث لما يكتبه, يضغط الأزرار بعشوائية واضحة جداً للقاصى و الدانى, واضحة لما يجلس فى الصالة أمام الشاشة مباشرةً, أو من يجلس فى الكراسى الخلفية, ظهر و كأنه يعجن فطيرة عالية الكثافة.

Wednesday, December 12, 2007

Woody Allen

WOODY ALLEN: That's science. I don't believe in science. Science is an intellectual dead end.

DIANE KEATON: I see. You don't believe in science. And you also don't believe that political systems work and you don't believe in God, huh?

WOODY ALLEN: Right.

DIANE KEATON: So, then... what do you believe in?

WOODY ALLEN: Sex and death two things that come once in a lifetime ... But ... at least after death you're not nauseous.

"Sleeper" - 1973

- لا تملك مع Woody Allen غير أن تتابع عينين فزعتين خلف نظارة لا يخلعها أبداً , مع أداء متوتر دوماً فى مواجهة تفصيلات حياتية و نزوات يوقن تماماً أنه لا حل لها ولا فكاك منها .. و جسد نحيل لا يمنعه من التورط المستمر فى علاقات غرامية سواء فى حياته الشخصية أو فى أفلامه , دائماً ما يفشل فى الإحتفاظ بها و دائماً ما يمنعه توتره و قلقه البالغان من ممارسة الجنس فيها بشكل مرضى له و لشريكته ... إنه فى النهاية Woody Allen الذى يحب السينما و يحب نيويورك التى ولد بها , وصنع عنها فصلاً كاملاً مع Francis Ford Coppola و Martin Scorsese فيلماً أسموه New York Stories عام 1989.

WOODY ALLEN: That's quite a lovely Jackson Pollock, isn't it?

GIRL IN MUSEUM: Yes it is.

WOODY ALLEN: What does it say to you?

GIRL IN MUSEUM: It restates the negativeness of the universe, the hideous lonely emptiness of existence, nothingness, the predicament of man forced to live in a barren, godless eternity, like a tiny flame flickering in an immense void, with nothing but waste, horror, and degradation, forming a useless bleak straightjacket in a black absurd cosmos.

WOODY ALLEN: What are you doing Saturday night?

GIRL IN MUSEUM: Committing suicide.

WOODY ALLEN: What about Friday night?

"Play It Again, Sam" - 1972

لا تملك مع أفلام Woody Allen غير أن تبتسم .... تبتسم و أنت تتابع ثرثرته المتصلة حول كل شئ فى أفلام لا تتعدى مدتها الساعة و نصف الساعة ... يكتبها و يخرجها و يقوم بدور البطولة فيها أيضا أغلب الأحيان , كل كلمة كتبها طيلة 55 سنة - قدم خلالها 40 فيلماً حتى الآن - كانت على آلة كاتبة بنية اللون ألمانية الصنع يحتفظ بها منذ كان عمره 16 عاماً.

WOODY ALLEN: It's funny. l was once in a cab ... this was years ago.And l was pouring my heart out to the driver about all the stuff you were prattling on about life, death, the empty universe, The meaning of existence , human suffering .... And the cab driver said to me:You know .... it's like anything else.

"Anything Else" - 2003

فى الأول من ديسمبر الجارى ختم Woody Allen عامه الثانى و السبعين بعد أن كتب هذا العام فيلمه الواحد و الأربعون على آلته الكاتبة ذاتها.

Saturday, November 10, 2007

سـارق الفرح

دائماً يخطر ببالى هذا الفيلم, متذكرًا مشهد (حسن حسنى) وهو ينقر طبلته بعصاه الرفيعة لترقص (حنان ترك) على إيقاعها. جو المشهد بلقطاته وبتصاعد إيقاع الطبلة مع ارتجافات (حنان ترك) تصيبنى بنشوة مميزة تمزج بين الحسى والروحى, نشوة تسيطر علىّ تمامًا... قررت فى النهاية الإستعانة بنضارة سينما (داوود عبد السيد) والحديث عن "سارق الفرح" هربًا من الركود.

الفيلم من تأليف وإخراج (داوود عبد السيد), وأنتجه (سلطان الكاشف) - زوج (لوسي) - عام 1994. (لوسي) تحديدًا تعد من العلامات المهمة فى سينما (داوود), أيضًا أفلامها مع (داوود) تعد من العلامات الفارقة فى تاريخها. لا أنسى دورها فى فيلم "البحث عن سيد مرزوق". هى تستطيع ارتداء دور الأنثى المرسومة بعناية فى سيناريوهات (داوود), و لعل دورها فى "سارق الفرح" أبلغ دليل على ذلك.

سيناريو الفيلم الذى كالعادة كتبه (داوود عبد السيد) بنفسه مأخوذ عن قصة قصيرة للروائى (خيرى شلبى), يدور بشكل أساسى حول التلاعب بالحلم, التلاعب بالرغبة, فعن التلاعب فى سينما (داوود عبد السيد) - سينما (المهمشين) كما يحب النقاد أن يطلقوا على سينما جيل الثمانينات - الأبطال لا يصارعون سلطة حكومية كالعادة, ولا قوانين , ولا يخوضون صراع لقمة العيش بالمعنى الشائع أيضًا, هم عادةً ما يصارعون أحلامهم ورغباتهم وذواتهم بشكل أساسى فى بيئة مغلقة عليهم وأحيانًا مغلقة فيهم. فى الفيلم تدور القصة الرئيسية حول "عوض/ماجد المصرى" الذى يحب "أحلام/لوسى" ويريد الزواج منها رغم ضيق حالته المادية فهو لا يستقر فى حرفة ويلتقط رزقه من الشارع كلما تطلب الأمر, المكان هو عشش عشوائية فوق هضبة المقطم يتقاسم الجميع فيها الهواء والماء والسجائر وأحيانًا الرغبات. نفهم فى البداية أن "شطة/محمد شرف" عاد من الخليج بجهاز كاسيت وتليفزيون وكل ما يتطلب الزواج من أنثى يفرغ فيها شهوته, وقد تجسدت أحلامه فى (أحلام). يسير مع والدته فى زفة يحيط بها الأولاد والبنات الصغار والسيدات فى المكان. المسيرة تسير على أغنية "فى بنت هاتتجوز" التى كتب كلماتها (داوود عبد السيد) ولحنها (راجح داوود), ليبدأ أول تعرف بين المُشاهد والفيلم الذى يأتى بأفكار إخراجية شاردة عن المعتاد. تدعم - فى نفس الوقت - جو الفيلم بشكل رئيسى , كلمات الأغنية بسيطة كاللحن, تحكى لنا فيها "تحية شمس الدين" بصوتها طقوس احتفالية الزواج فى تلخيص عام لهذه المؤسسة الإجتماعية التى يخوضها البشر: مؤسسة "الزواج". يوافق "المعلم بيومى/لطفى لبيب" الذى يعمل ماسحًا و مشرفًا فى أحد المواقف العمومية للسيارات على زواج "شطة" من ابنته فيجن جنون "عوض" محاولاً إنقاذ حلمه بالزواج من "أحلام" التى تحبه هى أيضًا. يلح على "المعلم بيومى" مصطحباً صديقه "عنتر/محمد هنيدى" و "عم ركبة/حسن حسنى" و أمه محاولاً عقد إتفاق للزواج من (أحلام). من هنا تبدأ رحلة الفيلم. على (عوض) من الآن وفى خلال 10 أيام أن يأتى بـ (غويشتين دهب عيار 18 مش 14) كما اشترط عليه (المعلم بيومى) ليتزوج (أحلام).

علاقة (أحلام) بـ (عوض) علاقة قديمة منذ كانا طفلين فى العشش. تحيط بعلاقتهما رغبة حسية غامضة وحب معقد من نوعٍ خاص, يتحايلان على الشهوة بالحبال والتلاعب!! التلاعب الذى تجيده (أحلام) بفطرتها الأنثوية. (أحلام) تحب (عوض) جدًا, لكنها تربطه بالحبال فى أحد الأبواب المتهالكة لعشة مهجورة فوق هضبة المقطم متواطئةً مع ما يريد من قبلات وأحضان, ثم تضربه بخيزرانة وهو مربوط فى الباب عقاباً له على صداقته بـ "نوال/عبلة كامل" التى تعرف عليها أثناء رحلته لجمع المبلغ المطلوب للزواج, تضربه حتى ينزف, حين يفك الناس وثاقه يسير بين العشش مضرجًا فى دمائه يغنى أغنية "هاتجوزها" التى كتبها أيضاً (داوود) والتى تدور حول فكرة واحدة أنه سيتزوج "أحلام" مهما حدث, فقط ليريها المر والذل والضرب, سينتقم منها بزواجه منها, فى إحدى اللقطات الفانتازية التى يغنى فيها (ماجد المصرى) أغنية "هاتجوزها" يسير ساحبًا وراءه مجموعة كلاب مكممة وحشية , ودافعًا أمامه "أحلام" من شعرها , مرتدياً غطاءاً أسوداً من القماش حول رأسه مربوط بحبل عند رقبته كزبانية الجحيم , و حين تتعثر محاولاته فى جمع المبلغ تتهدد أحلام (أحلام) فتغنى أغنية أخرى تعلن عدم تنازلها عن الزواج منه ماسكةً حبلاً غليظاً التقطته من أمام مستودع لمياه الشرب و تلفه حول رقبة (عوض) لتجره خلفها فى مشهد فانتازى آخر , كما تلفه حول نفسها و هى تغنى فوق فراشها حالمةً بالزواج منه متنهدةً باسمه. العلاقة بين "أحلام" و(عوض) من العلاقات المميزة التى لا أنساها بكل تعقيدها وبساطتها.

طوال رحلة (عوض) لجمع المال اللازم يأخد المشورة من أحد المقامات الموجودة تخص "سيدى أبو العلامات" كما ورد فى الفيلم. يبوح (عوض) بمشكلته لـ "أبو العلامات" طالبًا منه علامة تدله على التصرف الصحيح. استشاره 4 مرات طوال الفيلم انتهت 3 منها بعلامات تدله على الرأى الصواب: براز حمامة يسقط على رأسه من أعلى المقام, وقطعة فخار تنكسر فوق رأسه بعد إنتظار طويل زارته فيه (أحلام) مداعبةً أحلامه برقصها على أنغام أغنية أخرى كتبها (داوود) ولحنها (راجح) أيضًا, في المرة الثالثة ترعد السماء فيستدل بذلك أن "أبو العلامات" يوافقه على الخطة التى دبرها مع "نوال" بائعة الهوى, تلك الفتاة التى تعرف عليها فى إحدى مرات جلوسه على حافة الهضبة مع (عم ركبة) و(عنتر), فيقرر على إثر رعد السماء أن يسطو سطوًا مسلحًا على زبائن (نوال) الذين تستدرجهم إلى سفح الهضبة. وفى المرة الرابعة يرفض "أبو العلامات" أن يشير على "عوض" برأى ما فيمضى محبطًا.

من الشخصيات التى ينثرها (داوود عبد السيد) فى السيناريو - المكتوب بنكهة أدبية واضحة مستلهمًا روح أدب أمريكا اللاتنية - شخصية (عم ركبة) العجوز الحالم المعجون بشبق الشيخوخة, فهو يحب (رمانة) - أخت (أحلام) - حبًا جارفًا ,يشتهيها ولا يملّ شرب سبرتو ردئ مخلوط بمواد مخدرة كى ينسى عذابه فى حبها, شبقه وجنونه يجعلاه يشترى منظارًا مقربًا فى بداية الفيلم من أحد بائعى الروبابيكيا الذين يعرفهم فيشاهد بالصدفة النساء عاريات فى العشش التى تحيط به, يشاهدهم عن قرب يستحمون أو يجلسون على سجيتهم فى بيوتهم, يشاهدهم من خلال الأسطح و النوافذ الضيقة مستمتعًا بما يراه, تفضحه زوجته حين تلقى نظرة داخل المنظار, فلا تتردد عن فضح زوجها معلنةً أنه اشترى جهازاً "بيطلع النسوان عريانة", لتسير بعدها سيدات الحى ملفوفات فى حصر متربصات بكل من يحدق فيهن خائفات من آلة (عم ركبة) العجيبة. (داوود عبد السيد) لا يفوته فى هذا المشهد وجود سيدة لها رأى آخر فى موضوع "المنظار" تسير فى طرقات الحى العشوائى تتمايل وتتهادى مستعرضة تضاريس جسمها. شخصية (عم ركبة) من الشخصيات المميزة جيدًا, ينهى حياته قافزًا من فوق الهضبة بعد أن حقق حلمه وذاب فى جسد "رمانة" أخيرًا, ففيه استطاع أن يمتلك روحها بشكل شاعرى عميق جدًا بعد أن رقصت بتوجيه إيقاع دفه وعصاه الرفيعة فى أحد أعراس الحى. (رمانة) ذاتها أدركت أن (عم ركبة) قد امتلكها بهذا الرقص الشيطانى الذى تلبسها بإيعاز من ضرباته على الدف. مونتاج هذا المشهد و إيقاع الطبلة ورقص (حنان ترك) وديكور وإضاءة المكان ليلاً صنع غلالة سحرية بديعة وجعل (رمانة) تتبع (عم ركبة) إلى حيث يجلس على حافة الهضبة تاركةً يده تعتصر خصرها ثم تحضنه فى النهاية. يجرى (عم ركبة) إلى حافة الهضبة لا يطلب شيئًا بعد امتلاكه روح (رمانة) غير الطيران ليقع بعد أن لاعب أخيرًا حلمه ورغباته. عادة ما تنتهى روايات الأدب اللاتنيي بنهاية جنائزية للشخصية الحكيمة الخبيرة فى الرواية, وعادةً ما تكون تلك الشخصية طاعنة فى السن تشربت من ماء الحياة ما تشربت. انتهت حياة (عم ركبة) نفس النهاية حالمًا بالطيران من فوق هضبة المقطم.

"مطر/فتحى عبد الوهاب" - شقيق (عوض) - شخصية أخرى, يعمل طبالاً فى إحدى الملاهى الليلية, رأسماله الوحيد طيلة 3 أعوام قضاها طبالاً عبارة عن مجموعة ملابس وأحذية يختارها ويحافظ عليها باعتبارها واجهته فى العمل, مضحيًا فى سبيلها بأجره كاملاً. (مطر) يعود منزله فى الصباح الباكر لينام بعد ليلة منهكة, كان (عوض) قد سرق كل ملابس وأحذية أخيه ليبيعها متحصلاً على بعض نقود تساعده فى رحلته , يبلغ (مطر) الشرطة متهمًا (عوض) بالسرقة, باكيًا أشد البكاء فى حسرة على ضياع حصيلة عمله, لكنه يتنازل عن البلاغ الذى قدمه حين يدرك عبث الموقف وأن مكان إقامته الوحيد هو السرير المجاور لسرير (عوض) فى نفس العشة. يخرج من قسم الشرطة باكيًا بعد أن تلاعبت الحياة بمتعته الوحيدة, الحياة ربما تكون جميلة مغرية مفتوحة شهية غامضة لكنها لم تكن أبدًا عادلة.

رغم أنى لا أرى فى (ماجد المصرى) نموذجًا جيدًا للممثل الفنان الموهوب, إلا أن أداءه جاء مناسبًا تمامًا لأجواء (داوود عبد السيد) فى الفيلم, أداؤه التقليدى النمطى كان مناسبًا لشخصية (عوض), أيضًا بقية الممثلين كـ (حسن حسنى) و(حنان ترك) و(محمد متولى) و(عبلة كامل) و(فتحى عبد الوهاب) نجحوا تمامًا فى الرقص داخل السيرك الذى نصبه (داوود) بين العشش العشوائية فوق هضبة المقطم, سيرك ضخم للتلاعب بالأحلام.

فشخصية مثل "زينهم/محمد متولى" تتلاعب برغبات و أحلام "أحلام" , يروادها عن نفسها بحكمة مستغلاً حاجتها , , يربط ورقة بنكنوت قيمتها 10 جنيهات بخيط رفيع لا تراه "أحلام" أثناء مرورها أمام بيته المبنى بالطوب الأحمر من دورين , و حين تهمّ بالتقاط الورقة يراقصها بالخيط , ضاحكاً فى النهاية طالباً منها أن تصعد إليه كى يعتنى بتسرحة شعرها , الغواية من الأشياء التى يهتم بها "داوود" فى أفلامه جداً , الطابع السحرى و الداخلى للغواية , تصعد إليه "أحلام" ليصفف شعرها طالباً منها أن تزوره فى سهرته مع صديقتها "سمية/سلمى غريب" مقابل 100 جنيه قبل زواجها.

تتحدث جمل الحوار عما يدور فى عقل "داوود عبد السيد" من أفكار و رؤى , ينطقها الأبطال كلٌ حسب طبيعة دوره , فـ "أحلام" تصنف نظرات الذكور إلى جسدها فى الطرقات إلى ثلاث نظرات مختلفة (بصّة جعانة عاملة زى جمرة النار , تلسع) و (بصّة شبعانة حنينة زى الإيد لما تطبطب ع الكتف , تدفى , تاخدك فى حضنها و تضحك) و (بصّة تالتة خالص مالهاش مثيل , لا جعانة و لا شبعانة , زى الزيت التخين , الدافى , لما ينزل ع الجلد , بصة مالهاش طعم) , يذكرنى هذا الحوار بحوار "سيد مرزوق/على حسنين" فى فيلم (البحث عن سيد مرزوق) حين قسّم البشر إلى أربعة فئات (أسياد) و (عبيد) و (متمردين) و نوع رابع لم يذكره على ما أذكر ... "عم ركبة" نفسه يشكو فى بكائية حزينة أثناء توجعه فى حب "رمانة" : (ليه دايماً الحلاوة بتمسخّ , الجمال و الحلاوة بيخلصوا) معتقداً نفس الشئ فى "رمانة" نفسها فجسدها و حلاوتها سيزولان بعد أعوام من الزواج و لن تعود "رمانة" الشهية التى يتعذب برغبته فيها , دائماً فى جمل حوار "داوود عبد السيد" ما أشعر افتقاداً للنضارة , نضارة الحياة التى نبحث عنها.

رغم اختيار (داوود) لطبيعة صورة خشنة فى فيلم (سارق الفرح) ربما تكون نتيجة نوع شريط الخام الذى استخدمه فى التصوير, ورغم الإضاءة الخشنة أيضًا التى يغلب عليها ضوء النهار الساطع خاصة فى الطرقات والساحات المفتوحة للسماء بحكم طبيعة المكان, فضلاً عن الديكور المتقشف القاسى والجاف للغاية, برغم كل ذلك كله إلا أن ثمة نضارة أشعرها فى روح شخصياته, فى أحلامهم, فى التلاعب برغباتهم المحشورة فى أعمق نقطة لديهم, نضارة الحياة وصلتنى رغم خشونة الصورة التى صاغها بجودة عالية مدير التصوير (طارق التلمسانى) ومنسق الديكور (أنسى أبو سيف), مونتاج الفيلم واختيار اللقطات الثابتة فى الغالب للتقطيع بينها, إلى جانب اختياره لحجم لقطات أغلبها لقطات طويلة أو متوسطة لم يهتم فيها "داوود" كثيرًا بتكوين الكادر أو زاوية التصوير, إلا أنها أظهرت خشونة الملابس وطبيعة الحياة والأثاث والطرقات, وغيرها من تفاصيل المعيشة فى هذا الحى العشوائى فوق هضبة المقطم, وصنعت موسيقى (راجح داوود) الجو الذى يريده (داوود عبد السيد) فى الفيلم, سحرية الجوانب الداخلية المجهولة للشخصيات, مستخدمًا آلاته الأثيرة: (كلارينيت) يعلو فى لحظات شاعرية مبهجة إلى حد كبير, ليزايد على (فلوت) بارد متجهم , و(أبوا) حزينة عميقة شاردة تعكس الأحلام المنتهكة لشخصيات الفيلم.

Thursday, October 04, 2007

من روايـة إلى فيـلم

فى تحويل رواية الى فيلم سينمائى تقبع دائماً مجازفة , أثناء قراءتك لرواية ما فأنت تُخرجها بصرياً , تتخيل الأثاث الذى تعيش حوله الشخصيات , و اذا ما أخبرك الروائى أن لشخصيةٍ ما شارب رفيع تتخيل أنت على الفور الى أى مدى هو رفيع , قد تتذكر شارباً لقريب لك أو لشخص قابلته من قبل , ما أعنيه أنك تتخيل الرواية بصرياً بشكل من الأشكال , لذا حين يقوم مخرج بتحويل الرواية التى قرأتها أنتْ الى فيلم سينمائى فهو بطريقة أو بأخرى يتحدى خيالك , عارضاً عليك خياله الخاص و رؤيته البصرية لما قرأه كلاكما , أقول هذا لأن أمامى ثلاث نماذج مختلفة لثلاث روايات تحولت الى ثلاث أفلام سينمائية على أيدى ثلاث مخرجين.

هناك الكثيرون ممن يُشدّدون على ضرورة الفصل بين الرواية و الفيلم , على اعتبار أن كلاهما وسيط مختلف عن الآخر , هذا منطقى الى حد بعيد , لكنى لا أعلم على وجه التحديد كيف يتم هذا الفصل؟ إذا ما قرأت رواية ثم شاهدت فيلماً مأخوذاً عنها , فكيف يمكنك الفصل بين الاثنين , كيف يمكنك تجنب المقارنة بين الرواية و الفيلم؟ الا اذا كنت عضواً فى لجنة تحكيم مهرجانية أو اذا كنت لا تكوّن خيالاً بصرياً فى ذهنك عما تقرأه أو .... اذا كنت آلة!! , لن نسميها مقارنة , لأطلق عليها اسماً آخر لا تسعفنى ذاكرتى اللغوية الفقيرة على تذكره الآن ... أنا لا أملك أجوبة على أى حال , فقط سأتعرض للثلاث نماذج التى مررت بها.

(1)

قرأت رواية "عمارة يعقوبيان" لـ (علاء الأسوانى) قبل عام و نصف فى الطبعة الثانية التى أصدرتها دار مدبولى , كان تعليقى البسيط بعد القراءة أنها بالفعل رواية سينمائية , فقط , أما أدبياً فلن تعلق كثيراً فى الذاكرة الأدبية إلا لكونِها صَدَرت تحت ظرف سياسى و اجتماعى معين نلمسه جميعاً , لا أراها علامة أدبية تستحق كل هذا الاحتفاء و رأيى بالتأكيد سيكون مختلفاً , هى فى النهاية رواية سينمائية بأحداثها و بشخصياتها و بأماكنها و بغيرها من تفاصيل و مشهيات.

و سمعت مبكراً جداً أن (وحيد حامد) قد اشترى حقوق تحويلها الى سيناريو فيلم سينمائى , و لاحقاً عرفت - من باب الاشاعات - أنه قد أهداها لإبنه (مروان حامد) فى عيد ميلاده , المهم أن (عماد الدين أديب) تصدى لمهمة انتاج الفيلم مستعيناً بنجوم من أجيال مختلفة , و اكتمل الفيلم و رأيت الـ Trailer باللغة العربية و الانجليزية , ثم شاهدت الفيلم نفسه الصيف الماضى فى سينما "رينيسانس رويال" بالاسكندرية.

الرواية بسيطة لا تحمل لغة مميزة , فقط تحمل أحداثاً و شخصيات , تحويلها الى سيناريو لم أعتقد أنها ستكون عملية صعبة , ربما اخراجها هو ما سيستحق العناء , بالفعل قدّم (وحيد حامد) نقلاً مباشراً لأحداث الرواية بلا أدنى مجهود زائد , بل على العكس كان حضور العمارة فى الرواية أعمق بكثير عنه فى الفيلم بشكل واضح , من لم يكن قد قرأ الرواية قبل رؤية الفيلم كان يختلط عليه الأمر فيما يخص الشقة التى يقطن فيها (عادل إمام) مع أخته (اسعاد يونس) , هل تقع فى عمارة يعقوبيان أم الشقة التى تقع فيها هى مكتبه الذى يمارس فيه نزواته النسائية , فى الرواية أنت تعلم أن مكتب و جرسونيرة (عادل امام) هو الموجود فى العمارة , و أن الشقة التى طُرد منها تقع فى عمارة أخرى , هذا مجرد مثال لا ينتقص من سيناريو (وحيد حامد) , بل يؤكد فقط أن السيناريو لم يأت بجديد , و كذلك الاخراج , فكما تخيلت الرواية فى ذهنى كما صوّرها (مروان حامد) , فقط احتوى الفيلم على المشهيات اللازمة للسينما و للدعاية.

لم يقدم الفيلم قراءة مختلفة للرواية , شاهدته بلا منغصات , ما لفت نظرى هو (خالد الصاوى) يؤدى دوره لا بشجاعة فقط - فتلك أمور يسوّيها هو مع نفسه - بل بحرفية و بحساسية عالية أيضاً , ما استفزنى فقط هو الاستسهال فى التناول و أيضاً ذلك الاحتفاء الذى قام به صناع الفيلم أنفسهم لفيلم - هو من وجهة نظرى - عادى لم يفاجئنى , فضلاً عن الاحتفاء بـ (محمد عادل إمام) بدعوى أنه العوام ابن وز!! رغم المشهد الهزيل الذى أداه أمام (محمد الدفراوى) حين كان يخبره عن انتهاك جسده و هتك لعرضه فى السجن (هتكوا عرضى يا مولانا) .... قبل ذلك تأتى النصيحة المجانية التى تبرع بها أبوه (عادل إمام) فى بداية الفيلم لأحد الشباب بأن راحة البال هى مفتاح حياة جنسية ممتعة , ليؤكد أنه زير النساء الفاهم الخبير و هو ما يشدّد عليه فى الخمس أفلام الأخيرة له بشكل مقزز.

لا أملك الدخول فى تفاصيل اخراجية لـ (مروان حامد) , فذوقى يختلف مع النمط الذى يجسده هو و غيره حالياً , (مروان حامد) تلميذ نجيب لـ (شريف عرفة) - المخرج الحرفى الكبير - عمل معه كمساعد مخرج فى عدد من الأفلام , و أشدد هنا على كلمة "حرفى" فهذا سر اختلاف الأذواق , فى سينما (شريف عرفة) لا يدهشنى تغيير الزوايا فى المشهد الواحد و لا يدهشنى الاستخدام المفرط للكرين أو الشاريوه , و لا كثرة الفلاتر الملونة و لا تغيير العدسات باستمرار , وراء كل الأدوات و التكنيكات لابد أن يقبع شئٌ ما فنى , شئٌ ما يخطفنى ... لن يوافقنى الكثيرون لذا سألوذ بكلمة "اختلاف أذواق" كعادتى كلما ضاق الخناق , أريد فقط أن أٌذّكر بأن اخراج (مروان حامد) منذ "لماذا أطفئتى النور يا ليلى" يتّسم باللقطات الاستعراضية , كمشهد (عمرو واكد) فوق مأذنة الجامع يحاول مناجاة ربّه ليستمد منه القوة على الفتنة التى يعانى منها , صوّره (مروان) من كل الزوايا بشكل جعلنى أتقيأ , كان (عمرو واكد) فوق المأذنة , صوّره (مروان) من اليمين و اليسار و من أعلى و من أسفل , Tilt Up و Tilt Down , و من الأمام و من ظهره , كل هذا لم أرى له داعياً.

كذلك يطغى الاستعراض فى "عمارة يعقوبيان" و تحديداً فى تلك اللقطة التى لفتت نظرى و بشدة لثلاث عربات أمن مركزى , قبل تلك المظاهرة الهزيلة التى جاءت فى سياق الفيلم , العربات الثلاث التقطها (مروان) من الامام فى لقطة بعيدة , لم تكن العربات تسير فى طابور وراء بعضها كما هو الطبيعى , كانت تسير بتتابع هرمى غريب , عربة المقدمة يفصلها عن الرصيف التى تسير بحذاه مساحة ضيقة جداً , أضيق من تلك التى تفصل العربة الثانية و أضيق كثيراً فى حالة العربة الأخيرة , لا تسير العربات فى خط واحد , تسير فى خطوط متوازية خلف بعضها بشكل لم أفهمه , ربما لتظهر العربات الثلاث بوضوح فى لقطة بعيدة و هى متجهة نحو الكاميرا و بشكل مخيف مسيطر!!.

(2)

قرأت رواية "The Collector" التى كتبها الروائى الانجليزى John Fawles عام 1963 , و التى ترجمها (عبد الحميد فهمى الجمال) , قرأتها ضمن اصدارات "روايات الهلال" فى أغسطس 1992 تحت اسم "جامع الفراشات" , الترجمة جيدة الى حد ما , لكن الأخطاء المطبعية خصوصاً فى الثلث الأخير من الرواية كادت تهلكنى من الغيظ , أكملتها على أية حال , فالعناد كما أورثنى الكفر سيورثنى الهلاك , الرواية مسرحيّة بعض الشئ تعتمد على شخصين فقط و حدث واحد , رجل يختطف فتاة يحبها و يحبسها فى قبو بيت معزول فى ظل تهوية سيئة حتى تموت فى النهاية , الرواية بسيطة هى الأخرى تعتمد على حدث واحد ومكان واحد و شخصيتين كما قلنا , لا عجب أنها تحولت الى مسرحيات فى أكثر من بلد و الى مسلسلات , كـ (لينين الرملى) الذى مصّرها و مسرحها تحت اسم "الحادثة" و قدمت على خشبة المسرح فى التسعينات , و قام بدورى البطولة فيها (أشرف عبد الباقى) و (عبلة كامل).أخرج الفيلم المأخوذ عن الرواية المخرج الامريكى "William Wyler" تحت نفس الاسم "The Collector" عام 1965 بنجوم شباب غير معروفين وقتها - يذكرنى الممثل الذى قام بدور Grig بـ (محمد صبحى) بشكل غريب , الشكل المثلث لوجهه و هيئة جسمه النحيفة بل و طريقة حركته و نظراته و أداؤه - تم ترشيح الفيلم لنيل ثلاث جوائز أوسكار أساسية , شاهدت الفيلم بعد قراءتى للرواية و لا زلت ميالاً للمقارنة - أو ما اخترناه للتسمية - بين ما كوّنته فى ذهنى و ما رأيته فى الفيلم , الرواية مرة أخرى بسيطة و لا تحمل لغةً مميزة , تأتى شهرتها من الجو النفسى المشحون لتفسير و تحليل دوافع الشخصيات فى صراعهم المسرحى من شد و جذب طوال الرواية , أخرج "ويليام وايلر" الفيلم بنفس الروح , مع استبعاد بعض التفاصيل من الرواية لم يذكرها السيناريو , و اعتمد بشكل أساسى على نقاط أساسية أدّت الى تطور الاحداث , الفيلم هوليودى ستّينى جداً , بموسيقاه و أداء ممثليه و أسلوب المونتاج و الألوان و غيرها من تفاصيل بصرية أخرى , فى النهاية - فضلاً عن وفائه للرواية - جاء متقن الصنع.

الرواية و الفيلم على قدر من البساطة لم تشغلنى معها فداحة المقارنة , فحالها معى كما حدث تماماً فى "عمارة يعقوبيان" , الأحداث واضحة , الخط الدرامى بسيط بلا سرد أدبى معقد , كلاهما روايتان سينمائيتان , لاجديد فى تحويلهما لفيلم.

(3)

يختلف الأمر هذه المرة فربما تكون هذه هى التجربة الأصعب فى التنفيذ و الأكثر خذلاناً لى أيضاً , إنها رواية "كائن لا تحتمل خفته" التى كتبها Milan Kundera عام 1982 و نشرت فى طبعتها الأولى بالفرنسية عام 1984 , الطبعة التى قرأتها كانت الطبعة الثانية الصادرة عام 1998 بترجمة ممتعة لـ (مارى طوق) عن دار "المركز الثقافى العربى" , الرواية عبقرية لروائى مميز جداً و بلغة أدبية خاصة و بتكنيك كتابة صادم له طعم مختلف , استمعت بالرواية كما هو واضح , ثم شاهدت الفيلم الذى أخرجه "Philip Kaufman" تحت نفس الاسم "The Unbearable Lightness of Being" عام 1988 بإنتاج أمريكى قام بالأدوار الرئيسية فيه (Daniel Day Lewis) فى دور توماس , و (Juliette Binoche) فى دور تيريزا , و (Lena Olin) فى دور سابينا كما استعان كوفمان بـ (Sven Nykvist) مدير التصوير الذى رافق (Ingmar Bergman) فى العديد من أفلامه , خرج الفيلم بنكهة أوربية ظاهرية حيث تدور أحداثه فى التشيك كما هو الحال فى الرواية , الفيلم جاء وافياً تماماً لـ "أحداث" الرواية , مع ملامسة خارجية للشخصيات , لذا رغم المجهود المبذول خاب ظنى , Kundera استفاض و شرح بأسلوب خاص جداً شخصيات روايته , و هو الشئ الذى حمسنى لمشاهدة الفيلم , تطور الأحداث فى الفيلم جاءت مفاجئة و دوافع الشخصيات و أفكارهم تكاد تكون غير واضحة من فرط تسطيحها , لا أعلم لماذا توماس مقبل على الجنس ؟ لا أعلم لماذا عاد الى التشيك من سويسرا ؟ و أشياء عديدة أخرى لم أتبينها , فاستدعيتها من الرواية , ناهيك عن تجاهل بعض الخطوط الموجودة فى الرواية .... و لكن هذا لا يخصنى.

قرأت فى أخبار الأدب قبل أسابيع أن "كونديرا" لم يرض عن الفيلم و سيرفض أى عرض آخر لتحويل رواياته إلى أفلام , قرأت ذلك قبل أن أشاهد الفيلم , لم ألق بالاً فقد أختلف مع صاحب الرواية نفسه حول الفيلم لإختلاف الذوق بغض النظر عن كونه صاحب الرواية أو أن روايته أمتعتنى , فالسينما وسيط مختلف نتساوى أنا و هو فى كيفية استقباله , غير أنى بعد مشاهدة الفيلم وافقته.

تدور أحداث الرواية طوال 3 ساعات هى مدة الفيلم بقراءة مبسطة لخط واحد من الرواية , قراءة بسيطة لدخول قوات الاتحاد السوفييتى التشيك , قراءة بسيطة لشخصية توماس بل و مسطحة فى بعض الأحيان , هكذا جاء السيناريو , فكيف جاء الاخراج؟ ... الفيلم يحمل جواً و روحاً أوربية أساسية فى الأداء الحر للممثلين و الموسيقى الكلاسيكية المصاحبة , و بالطبع أماكن التصوير المميزة طوال الفيلم , لكنه فى النهاية فيلم أمريكى اعتمد على الخط الرئيسى فقط فى الرواية , الفيلم كما الرواية يمتلئ بالجنس بلا مواربة و هذا يحسب له , فالجنس عامل أساسى فى الرواية و فى تطور الشخصيات , غير أن المميز فى الرواية من تفاصيل و نفاذ ناجح داخل روح الشخصيات فضلاً عن مغزى عنوان الرواية تم تجاهله تماماً فى السيناريو , لا يصنع هذا مشكلةً فى رأيى كما قلت فهذا لا يخصنى اذا ما عوضنى الفيلم جيداً و هو لم يحدث.

كان لتجاهل أشياء مهمة للغاية فى الرواية , و الاكتفاء بعرض الأحداث و الشخصيات من الخارج دوراً رئيسياً فى القفزات المفاجئة التى حدثت طوال الثلاث ساعات , فجاء الفيلم عادياً بالمقاييس السينمائية عن رواية غير عادية بكل المقاييس , الجو الأوروبى المميز للفيلم يمكن له أن يحتوى أية نوعية من القصص و الأحداث - ربما هو ما أغرى المخرج - لكن لا خصوصية على الاطلاق لتحويل هذه الرواية بالذات.

----------

ربما جاءت آرائى متعسفة , لكنها ليست آراء بقدر ما هى تساؤلات عن طبيعة تحويل النصوص الأدبية لأفلام سينمائية , و التى أعتبرها مجازفة نجا منها القليلون , كـ (داوود عبد السيد) فى "الكيت كات" أو فى "سارق الفرح" , حين قدّم رؤية مختلفة تماماً عن النص الأدبى الذى حوّله لكنه لم يُفقد الخيال الخاص بالقارئ جماله و خصوصيته , لذا أُطلق عليه مخرج فنان لا مخرج حرفى , ربما لأن (داوود عبد السيد) مخرج بنكهة أديب.

Monday, September 03, 2007

كــده رضــا

كأهلاوى شاهدت مباراة الأهلى و الهلال فى البطولة الأفريقية للأندية الأبطال , و كمتابع لأفلام الصيف شاهدت أيضاً فيلم "كده رضا" فى نفس الأسبوع , و النتيجة .. صدرت منى - بتلقائية شديدة - ألفاظ فى غاية الأباحة و السفالة , فهزيمة الأهلى بهذا الشكل المهين فى أم درمان فى نفس الأسبوع الذى أتعرض فيه لهذا الكم من السخافة فى سينما (ريو) بالإسكندرية لهو شئ فوق الإحتمال ... فى النهاية إذا ما حصرت الأمر فى حدود فيلم "كده رضا" على اعتبار أن كرة القدم فى النهاية هى مكسب و خسارة على العكس من الأفلام , فلا أحد سيعوضنى الساعتين إلا ربعاً التى قضيتها أضرب كفاً بكف و أنا أشاهد "كده رضا" :

(1)- اسم الفيلم - "كده رضا" - يصلح ككثير من الأسماء لغيره من السيناريوهات بلا أدنى مخاطرة أو إحساس بالذنب , و ربما لو كان "أحمد حلمى" يقوم بدور "مغاورى" لكان اسم الفيلم "كده مغاورى" , لكنهم فى النهاية سموه "كده رضا" فقط لأن (القافية حكمت).

(2)- السيناريو هو التجربة الأولى لـ "أحمد فهمى" , و هى تجربة كان من الممكن جداً تجاهلها و عدم الإعتداد بها بحكم أنها أصبحت من نصيب "أحمد حلمى" الممثل الكوميدى الكبير و الذى لن يلتفت الجمهور لمشاكل السيناريو الذى يمثله , غير أن بعض الجمهور تساءل بصوتٍ عالٍ بعد إنتهاء الراوى من خطبته العصماء قبل نزول تترات البداية قائلاً : (هوه الفيلم كده خلص و للا ايه يا جدعان) , و لهم كامل الحق فى السؤال , فالراوى تقريباً حكى تيمة الفيلم الأساسية فى 3 أو 4 دقائق - (عشان ينجز و يبدأ على نضيف) - بشكل مطول جداً فشل معه فى محاكاة مثل هذه المقدمات فى أفلام أخرى معروفة كـ Le Fabuleux destin d'Amélie Poulain و غيره من تلك الأفلام التى تعتمد على الحكى الرشيق , لتصبح مقدمة "كده رضا" سرداً جافاً للأحداث على لسان راوى يمكن الإستغناء عنه دون ندم.

بعد المقدمة بدأ الفيلم فى ترتيب (اسكتشاته) القصيرة بتتابع على نفس التيمة , ثلاث أخوة توأم ماتت أمهم و هى تلدهم , تركتهم فى رعاية أبيهم - "هندى/لطفى لبيب" - الذى سجلهم بدوره فى سجل المواليد تحت اسم واحد هو "رضا" - قام بالأدوار الثلاثة "أحمد حلمى" - اتقاءاً للحسد و توفيراً لتكاليف تربية ثلاث أبناء فى نفس الوقت , و هكذا يلعب كاتب السيناريو على تلك التيمة فترة لا بأس بها مختلقاً المواقف التى تصل لـ 4 أو 5 اسكتشات ما بين القصيرة و الطويلة تحت دافع واحد و هو أن النصب يعتبر المصدر الأساسى لرزق هذه العائلة :

أ - فهم ينصبون فى مسابقة جرى جائزتها الأولى 10 آلاف جنيه بأن يقتسموا مسافة السباق بين ثلاثتهم .. تخيلت فى بداية هذا الاسكتش أن أحدهم سيبدأ السباق ليسجل وجوده بينما سينتظر أحد الإثنين الآخرين قرب النهاية ليجرى عدة أمتار متجاوزاً الخط و معلناً فوزه بالسباق , لكنى اكتشفت أنى قد نصبت بطريقة أفضل من طريقة السيناريست , فـ "أحمد فهمى" جعل الثلاثة يقتسمون مسافة السباق بينهم بالتساوى بحيث يعدو كل منهم جزء من السباق ليفوز الأخير بالجائزة بينما الباقى منهكون.

بـ - ينصبون أيضاً على جارهم الحلاق - "محمود أبو زيد" - فيبيعونه نظارة شمس يخبرونه أنها تكشف العورات بعد 3 ثوانى من ارتدائها .. لك أن تتخيل كم السماجة فى هذا الاسكتش.

جـ - كما ينصبون على "سعيد طرابيك" صاحب إحدى الحانات عن طريق بيع محلولاً مغشوشاً و كأنه نبيذ مستورد من اليونان , مقنعين إياه بذلك بظهور ثلاثتهم أمامه يتمايلون ليعتقد أن وجود ثلاث نسخ من نفس الشخص هو التأثير القوى للنبيذ.

و غيرها من المواقف المعتمدة على كونهم ثلاث أخوة توأم لا يعرف بأمرهم أحد و لا حتى الحكومة , يختبئون فى قبو و يخرجون من المنزل فرادى كل منهم له يومه , تدور هذه الاسكتشات بالتوازى مع عرض اختلافاتهم الشخصية عن بعضهم البعض , فأحدهم قاسى و جرئ : "البرنس" و الثانى مجنون كرة فشل فى الإلتحاق بالنادى الأهلى : "بيبو" و الثالث ضعيف مسالم : "سمسم" , و بحكم كونه أضعفهم و أكثرهم براءة , و لا يريد النصب مثلهم على خلق الله مفضلاً البقاء فى مصر على السفر معهم إلى الخارج يتردد "سمسم" على "خالد الصاوى" الطبيب نفسى ليستدل على طريقة حياة أفضل , بانتهاء الوقت المحتمل لاسكتشات "أحمد حلمى" المنفردة تظهر "منة شلبى/ندى" لتمنح كاتب السيناريو فرصة أخرى ينوع فيها على اسكتشات أخرى تعتمد أيضاً على تيمة الثلاثى التوأم التى رواها الراوى قبل نزول التترات.

هنا و حتى قرب نهاية الفيلم يسير الفيلم بثقة نحو تصنيف فيلم كوميدى صيفى من بطولة "أحمد حلمى" ... لكنه الطمع , فيتحول الفيلم بقدرة قادر إلى لغز على البطل أن يحله , يتحول إلى فيلم إثارة ذكرنى فى أكثر من تفصيلة فى نهايته بالفيلم الأمريكى Matchstick Men خصوصاً فيما يتعلق بشخصية "ندى" التى تعّلق بها "أحمد حلمى" و اجتهد فى مساعدتها و فيما يتعلق بالطبيب النفسى "خالد الصاوى" الذى يختزن أسرار "سمسم" , فضلاً عن طريقة كشف "أحمد حلمى" لخبايا الأحداث.

(3)- المخرج "أحمد نادر جلال" و منذ شاهدت إتقانه و إجادته فى فيلم "واحد من الناس" قبل عام و نصف و أنا أحرص على متابعة أفلامه , فما فعله وقتها مع سيناريو مستهلك و تيمة محفوظة لـ "بلال فضل" يستحق الإشادة , و لكنها صدفة على ما يبدو أو شئ ما آخر لا أعرفه , فمن غير المعقول ما رأيته فى فيلمه التالى "فى محطة مصر" لنفس الأبطال و كاتب السيناريو , و فى فيلمه الأخير "كده رضا" !! ... لا جديد فى الفيلمين سوى ما يحفظه الجمهور عن الفارق بين "كريم عبد العزيز" و "أحمد حلمى ", حيل الجرافيك و الكروما و غيرها من الأشياء المصنوعة بعناية لا تصنع فى النهاية مخرجاً , كما أن ايقاع الفيلم سواء فى السيناريو أو فى الصورة و المونتاج غير متقن بالمرة على العكس منه فى "واحد من الناس" , و لن يكفى "أحمد نادر جلال" كى يصبح مخرجاً كبيراً أن يظهر بنفسه داخل أفلامه فى لقطة يسرقها هنا أو هناك.

(4)- ليس من المخجل أن يقوم الممثلون ذوو الدم الخفيف و البديهة الحاضرة فى إلقاء النكات على المسرح كأى Standup Comedian محترم على مستوى العالم , كل ممثلى هوليوود المشهورين بالكوميديا فعلوا ذلك فى بدايتهم و حين انتقلوا إلى شاشة السينما اختلفت طبيعة الفكاهة التى يقدمونها مع الوقت , أما أن يظل "أحمد حلمى" يقدم النكات و الإفيهات الغير مرتبطة بأى شئ على سبيل السذاجة طيلة خمس أو ست أفلام قام ببطولتها فهو الشئ الكثير و المبالغ فيه جداً.

Sunday, August 12, 2007

الشبح

بغض النظر عن كون شركات الإنتاج المصرية تصرف للمُشاهد أغنية و عصابة و رجل أعمال و عدة مشاهد مطاردة و ضرب و قتال بالمسدسات و سيارات تتهشم على الطرق و الأرصفة فى كل فيلم أياً كان فإن فيلم "الشبح" كان موفقاً إلى حد ما فى كل هذه العطايا و الهبات التى تهبها لنا شركات الإنتاج فى مصر , أقول إلى حد ما لأن هناك عدة كيلوجرامات من الكوميديا تُصرف لنا أيضاً بحكم كوننا المصريون (دمنا خفيف مهما كان) , فلم لا نبيعه بعض الكوميديا !!

بداية الفيلم و حتى 45 دقيقة بعد نزول التترات كانت مبشرة للغاية , مبشرة بالنسبة لنوعية أفلام التشويق و الإثارة التى غزت سوق السينما المصرية , أقصد بالطبع أفلام التشويق التى يستلهمها كتاب السيناريو - و من بعدهم المخرجون - حرفياً من السينما الأمريكية بالرغم من كونى طيلة 25 سنة لم أرى عصابات تتقاتل بالمسدسات و لا تطارد بالسيارات فى شوارع مصر بهذه الإعتيادية الغريبة , لكنهم بالتأكيد سيخبرونى و يخبروك (عزيزيى المشاهد , إنه الخيال ....).

كاتب السيناريو - و المشارك فى إنتاج الفيلم - "وائل عبد الله" سبق له القيام بتجربة هذا النوع من الأفلام مع المخرجة "ساندرا نشأت" و بالتحديد فيلم "الرهينة" فى العام الماضى , كما أنه صاحب قصة فيلم "تمن دستة أشرار" التى كتبها كسيناريو "خالد جلال" و أخرجها كفيلم "رامى عادل إمام" .. إذن نحن نعرف إلى حد ما نوعية الأفلام التى تأثر بها و أحبها "وائل عبد الله" و قرر إدخالها بتوسع إلى سوق السينما التجارية فى مصر : أفلام التشويق و الإثارة , الأفلام الملغزة , المعتمدة على حبكة الأحداث و إخفاء الأسرار بمنطق مختلف عن منطق المخرج المصرى الجميل الراحل "كمال الشيخ" .. لن أدعى أنى من كارهى هذه النوعية كما أنى فى نفس الوقت لست من نوعية الجمهور الذى يمتلك القدرة على توقع الأحداث و استنتاج النهايات , و عند هذه النقطة "وائل عبد الله" - ككاتب للسيناريو - نجح إلى حد بعيد فى شد إنتباهى دون ملل و دون استسهتار بعقلية الجمهور معى حتى قبيل النهاية بفترة معقولة , اجتهد فى صياغة حبكة الفيلم و لعب فى زمن الفيلم و فى أماكن الأحداث بشكل أفضل إلى حد بعيد من تجاربه و تجارب غيره السابقة , فنحن أمام بطل يستيقظ من نومه فى أول مشهد ليجد جثة شخص مقتول على السرير المجاور له فى مكان ما لا هو و لا نحن نعرفه , السيناريو يخبرك دون ملل و بدون تأخير أن "أحمد عز" فاقد الذاكرة لا يعرف حتى اسمه و علينا تتبع الطريق الذى سيسلكه للكشف عن هويته و عن سر الجثة الغامضة التى وجدها إلى جواره , تتابع الأحداث و طريقة الكشف عن مفاتيح اللغز سارت بشكل منطقى و مميز , توقيت ظهور الشخصيات التى سيتعثر بها "أحمد عز" فى الفيلم كان توقيتاً منطقياً ساعد على حيوية السيناريو , حتى تورط المشاهدون تماماً فى الموضوع باتضاح خيوط اللعبة إلى الحد المناسب الذى يظل معه "وائل عبد الله" مخفياً شئ ما يجعلك بإستمرار جالساً على مقعدك بلا تأفف.

يوجد قرب نهاية الفيلم هذا المشهد المشهور الذى يتبرع فيه أحد الأبطال فيشرح اللغز أو السر إلى أحد الأبطال الآخرين ليعرف المشاهدون الجالسون فى القاعة المظلمة فى جوع لمعرفة سبب جلوسهم هنا , هذا المشهد مصنوع بوعى فى فيلم "الشبح" ففضلاً عن كون "صلاح عبد الله" ممثل متمكن يجيد هذه المواقف فإن وجود هذا المشهد فى السيناريو مبرر جداً بحكم أن "صلاح عبد الله/عبد الصمد" يشرح اللغز إلى "أحمد عز" الجائع مثلنا تماماً لمعرفة الحقيقة - لا تنسى أنه فاقد الذاكرة و استيقظ معنا على أحداث ساخنة متشابكة لم يحضر مقدماتها مثلنا تماماً على خلاف باقى أبطال الفيلم - بعد أن توحد معه الجمهور فى أول دقائق الفيلم.

أعتقد أن "أحمد عز" من الذكاء الكافى - أو من فرط (دعاء الوالدين) - بحيث يختار تلك النوعية من الأدوار التى يؤديها , تلك الأدوار التى لا تعتمد بشكل كبير على التعبير أو الإحساس أو حتى التشخيص , فى أفلام "أحمد عز" تكون القصة و عين المخرج هى البطل الرئيسى أما هو فمجرد ممثل يؤدى دوره لتحريك الأحداث , ذكاء يفتقد إليه باقى نجوم الصف الأول بإصرارهم على لعب كل شئ فى كل أفلامهم بغض النظر عن طبيعة السيناريو و عن طبيعة إمكانياتهم , لذا يظهر "أحمد عز" فى المقاس المناسب له و فى الملابس اللائقة له تماماً ليتطور فى هذه المنطقة من فيلم إلى آخر , فبالتأكيد هو الآن أنضج كثيراً من بدايته و قادر على العطاء أكثر بملامح وجه متناسقة تمكنه من أداء أدوار متلونة و مقنعة داخل الفيلم , أحياناً عندما يكون الممثل (صفحة بيضاء) يكون ذلك فى صالحه و صالح العمل لأنه لن يجيب إجابات ساذجة أو خاطئة.

يقول المخرج "عمرو عرفة" أن ألوان الفيلم معالجة بشكل جديد لم يستخدم من قبل, و هو شئ حقيقى و ملحوظ, غير أنه مفرط جداً, لون اللقطات معتنى به , كما أن الإضاءة و الفلترات التى استخدمها مدير التصوير "محسن أحمد" نجحت فى إعطاء بعد لونى لمكان و زمان الأحداث, لكنها كانت تثير ارتباكى أثناء المتابعة, خاصة مع تعدد أماكن التصوير فى أحداث السيناريو, فضلاً عن التنفيذ الغير لائق لنقلات الزمن بين المشاهد التى تدور فيها الأحداث, كان "عمرو عرفة" معنياً بإخراج كل خط من خطوط السيناريو بشكل بصرى مختلف عن الخطوط الأخرى لكنها كانت مختلفة بإفراط, كما أن (تصحيح الألوان) فى الفيلم كانت تشوبه مشكلة رغم الفكرة الطموحة التى ربما تؤتى ثمارها فى فيلم قادم لـ "عمرو عرفة", فى تقديرى المونتاج أيضاً ساعد فى محاولة الخروج بصورة مختلفة للفيلم, لأن المونتير "أحمد حافظ" صنع إيقاعاً حيوياً و نفذ المطلوب تماماً فى تلك النوعية من الأفلام خاصة فى مشهد المطاردة الذى يدور فى منطقة "جدران" بالإسكندرية بين "أحمد عز" و عصابة "باسم سمرة", ذلك المشهد ساهمت أغنية الفيلم فى تقديمه بشكل مختلف تماماً عن أمثاله فى أفلام أخرى , و بشكل جديد فى أفلام الألفية الثالثة فى مصر, أتى ذلك فى رأيى نتيجةً لعدم إعتماده على الكليشيهات التى نحفظها عن ظهر قلب و التى يظل فيها المُشاهد مطالباً بدموعه و نحيبه و تأثره لما يصنعه البطل و المخرج فى الفيلم, هذا المشهد بألوانه و بتصميم منطقة "جدران" و الفنار المجاور لها فى المكس , مع استخدام "محسن أحمد" لإضاءة ناعمة و صريحة فى أغلب لقطاته, كلها أشياء ساعدت فى تحريك الأحداث و حل مفتاح فى الحبكة, فى نفس الوقت الذى قدمت فيه صورة جميلة و إيقاع مناسب تماماً لهذا المشهد فى السيناريو.

الفكاهة التى كان يمثلها "محمود عبد المغنى" فى أدائه لدور "سليمان" فى الفيلم غيرت من ملامح الفيلم إلى حد كبير و أبطأت من إيقاعه فى أكثر من مكان, فى الأغلب فإن الفكاهة مصروفة للمشاهد فى الأفلام حتى لا يشترى من أى قاعة أخرى تعرض فيلماً آخر, فكل شئ موجود على طريقة (هاتلفْ تلفْ و تجيلى فى الآخر), أما شخصية "أحلام/زينة" فبالتأكيد لم يكن الفيلم بحاجة لها, لا أعنى أداءها أو أن تمثيلها جاء سيئاً, بالعكس فـ "زينة" قد أدّت المطلوب تماماً, لكن دورها المكتوب فى السيناريو لا فائدة منه على الإطلاق, و لم يجتهد "وائل عبد الله" فى خلق أى دور جدى مؤثر لها فى الأحداث, على العكس من شخصية "منة فضالى" على صغر مساحته, لكنه كان ضرورياً , "صلاح عبد الله/عبد الصمد" يجيد الرقص على الحبال بمهارة, أعنى حبال التمثيل فهو يجيد الإنتقال بين مناطق الأداء المختلفة, الخوف أن يصبح مكرراً و أن يختار أدواراً نمطية كـ "خالد صالح" على سبيل المثال.

يبقى أن هذا الفيلم رغم طموحه لن يبقى فى الذاكرة كعادة تلك النوعية من الأفلام بتلك النوعية من المشاكل.

Friday, August 03, 2007

تيمور و شفيقة

بدون إفتاء و دخول فى النوايا خرجت من القاعة رقم 4 فى سينما أمير بالإسكندرية - حفلة الحادية عشرة مساءاً !!!! - متأكداً أن الهدف من إنتاج فيلم "تيمور و شفيقة" هو عرض فيلم صيفى بسيط لا ينغص , سهل البلع , يهضم الرطوبة و الحر داخل قاعة مكيفة أثناء صيف ممل , كنت مخيراً بين دخول فيلم "الشبح" و بين دخول فيلم "تيمور و شفيقة" , و استقر الإختيار فى النهاية على الأخير لأقضى ساعة و نصف تقريباً وسط زحام و أطفال رضع بكائين و مصييفين , فضلاً عن مراهقين يتابعون مدى خطورة المشاهد الرومانسية - التى يعتبرونها ساخنة - بين "أحمد السقا" و "منى زكى" على زواج الأخيرة من "أحمد حلمى" كما فعلوا تماماً عندما شاهدوا المشاهد الرومانسية بين "كريم عبد العزيز" و "منى زكى" فى فيلم "أبو على" ... هكذا أصبحت مشاهدة الأفلام فى قاعات السينما فى مصر تسلية بحتة , تسلية غير منغصة على الإطلاق , أقول هذا فى البداية لأدلل على أنى لم أتأذى من مشاهدة الفيلم و لم أسخط عند خروجى من القاعة فلا شئ مهم على الإطلاق حدث فى القاعة رقم 4 فى سينما أمير , فقط شاهدت فيلماً لن يعلق فى ذاكرتى و أنا عائد إلى المنزل و ربما أنسى بعد عدة أشهر أنى دخلته من الأساس و حين يعاد فى قناة "ART Cinema" سأحرص على مشاهدته فى ميعاد تناولى وجبة الغداء حتى أنتهى منه بسرعة بدون عسر هضم.

فـ "تامر حبيب" - كاتب السيناريو - كعادته يلتقط الفكرة من الهواء الطلق و ينسج فيها - لا حولها حتى - فيلماً بلا هدف و أحداث ليست مملة فقط بل و مكررة داخل أحداث الفيلم نفسه , يبدأ الفيلم باستعراض علاقة "تيمور\أحمد السقا" بجارته "شفيقة\منى زكى" و حبهما الأصيل منذ الطفولة و هدية عيد الفطر التى يواظب "تيمور" على شرائها لـ "شفيقة" منذ الصغر , عقدة الفيلم أن "تيمور" ذكورى غيور و "شفيقة" مزة طموحة , أعتقد بدون الدخول فى النوايا كما قلت أن هذا فقط ما جاء فى بال "تامر حبيب" فجلس لمدة ساعة أو أكثر أمام الأوراق البيضاء على سطح مكتبه ليكتب السيناريو و الحوار بإفيهاته , فيكرر مشاحنات "تيمور" مع شفيقة" : مرة حين يقلها من أمام كليتها ليجدها تقف مع أحد زملائها , و مرة فى حفل عيد ميلاد صديقة لها فيطلب نفس الزميل ان تشاركه الرقص , و مرة عندما تعصى أوامره بالبقاء فى منزلها أثناء خروجه لحراسه وزير الداخلية فى أجازته الصيفية لكنها تذهب مع صديقاتها إلى نفس الشاطئ الذى يمارس فيه "تيمور" عمله , و أيضاً بالطبع فى كل مرة ترتدى فيها "شفيقة" ملابس كاشفة تفضح ما وصلت إليه من مزمزة , ثم فى النهاية مشاهد الحركة التى ينقذ فيها "تيمور" حبيبته "شفيقة" من عصابة إرهابية - غير التى كانت تريد اختطاف ابن وزير الداخلية - لأن "أحمد السقا" هو من سيؤدى دور "تيمور" فيصبح تدخينه و ارتدائه الفانلة الحمالات مبرراً لتبرز عضلات ذراعيه و يلهم الفتيات اللاتى لم تلهمهن سهوكة "تامر حسنى" و لا وسامة "أحمد عز" و لا سذاجة "أحمد حلمى"و لا شهامة "كريم عبد العزيز".

هكذا يسير "أحمد السقا" فارداً جناحيه كالعادة حاملاً ابن وزير الداخلية الذى يعمل فى طاقم حراسته منقذاً إياه من براثن عصابة إرهابية فى بداية الفيلم و فى لقطات Slow Motion مؤثرة للغاية , مؤثرة للغاية , مؤثرة للغاية ... لأن التكرار مفيد فى الحديث عن فيلم "تيمور و شفيقة".

نعود إلى "تامر حبيب" و نتابع معاً ذكريات السينما بدءاً من فيلم أثار إعجاب معظم من شاهدوه و هو "سهر الليالى" , و فيلم "عن العشق و الهوى" .. فى كلا الفيلمين يثرثر "تامر حبيب" بلا هدف سوى نسج علاقات متشابكة يمكن أن تحل فى أى وقت لكنه يطيل من زمنها كي يستمر الفيلم فى طريقه نحو تصنيف "فيلم روائى طويل" معتمداً بين الحين و الآخر على اختراع مشكلة وهمية كلما آلمه ضميره و هو يشاهد السيناريو سائراً تحت مداد قلمه بلا هدف , ليس الحديث هنا عن "سهر الليالى" و لا "عن العشق و الهوى" لكنه عن "تيمور و شفيقة" الذين ينفصلان عاطفياً بعد نصف ساعة من بداية الفيلم و يتعاملا - بمبادرة من الذكورى "تيمور" - كالأشقاء و هو ما كان من الممكن حدوثه فى أى وقت فى الفيلم كما كان لا يمكن حدوثه أيضاً , لا نرى مبرارت درامية مقنعة مصنوعة بإحكام لمسار الأبطال فى السيناريو.

عذراً فما دام الفيلم يتحدث عن المرأة حين ترأُس حبيبها و تتقدم فى عملها بطموح بشكل لا يرضاه حبيبها لابد أن أتذكر الفيلم الجميل "مراتى مدير عام" للمبدع "فطين عبد الوهاب" و هو ما سيجحف من حق "تيمور و شفيقة" بالتأكيد , كما أنه سيرينا أن السينمائيين و المجتمع بأسره لا يسير إلى الأمام و ربما يتراجع أيضاً , فـ "شفيقة" فى نهاية الفيلم و قبل اختطافها من قبل العصابة الإرهابية تصارح "تيمور" بكرهها لتسلطه و أنانيته حين يخيرها بين شيئين منطقيين من وجهة نظره : إما منصبها كوزيرة للبيئة و إما علاقتهما لأنه لن يسمح لنفسه بأن يسير فى ركابها , لكن "تامر حبيب" يستأجر عصابة لتخطف "شفيقة" فيصورها المخرج "خالد مرعى" و أفرادها تتلقى الصفعات و الركلات على يد "تيمور" الذى يحتم عليه واجبه - كحارس خاص لـ "شفيقة" قبل أى شئ - أن ينقذها لينتهى الفيلم بـ "شفيقة" و قد رضخت لـ "تيمور" فتستقيل من منصبها كوزيرة بعد ساعة و نصف من الثرثرة المتواصلة حول نفس الشئ : "تيمور بيحب شفيقة و شفيقة بتحب تيمور لكن تيمور ذكورى غيور و شفيقة مزة طموحة" و الحل الطبيعى أن تحافظ "شفيقة" على "تيمور" فى نهاية الفيلم لا فى بدايته لأنها لو فعلت ما فعلته فى أى وقت آخر لما كان هناك فيلم "تيمور و شفيقة".

هل تستحق ثغرات الفيلم الحديث عنها ؟ كالبحث عن تفسير لعدم زواج "تيمور" و "شفيقة" رغم الصداقة الحميمة التى تجمع أسرتيهما لدرجة - مثلاً - أن والدة "تيمور" - "رجاء الجداوى" - هى التى تتآمر ضده و ضد والدة "شفيقة" - "هالة فاخر" - بإثارة غيرته لأنه يصر على إلتزام طابع الأخوية فى تعامله مع "شفيقة" , ربما لو صُنع هذا الفيلم قبل 50 عاماً لفرحت بمشاهدته أكثر و لدام فى ذاكرتى أكثر.

بخصوص الفنيات فى الفيلم فهو أول تجربة إخراج للمونتير "خالد مرعى" , و أعتقد أن كل أفلامه القادمة ستكون أيضاً هى تجاربه الأولى , فلا شئ جديد و لا إيقاع مميز و لا صورة و لا مشاهد فريدة تضطره إلى ترك مقعد المونتير ليجلس على مقعد المخرجين مُخرجاً ثانى أسوأ مشاهد حركة بعد "خالد يوسف" فى "خيانة شرعية".