Saturday, November 10, 2007

سـارق الفرح

دائماً يخطر ببالى هذا الفيلم, متذكرًا مشهد (حسن حسنى) وهو ينقر طبلته بعصاه الرفيعة لترقص (حنان ترك) على إيقاعها. جو المشهد بلقطاته وبتصاعد إيقاع الطبلة مع ارتجافات (حنان ترك) تصيبنى بنشوة مميزة تمزج بين الحسى والروحى, نشوة تسيطر علىّ تمامًا... قررت فى النهاية الإستعانة بنضارة سينما (داوود عبد السيد) والحديث عن "سارق الفرح" هربًا من الركود.

الفيلم من تأليف وإخراج (داوود عبد السيد), وأنتجه (سلطان الكاشف) - زوج (لوسي) - عام 1994. (لوسي) تحديدًا تعد من العلامات المهمة فى سينما (داوود), أيضًا أفلامها مع (داوود) تعد من العلامات الفارقة فى تاريخها. لا أنسى دورها فى فيلم "البحث عن سيد مرزوق". هى تستطيع ارتداء دور الأنثى المرسومة بعناية فى سيناريوهات (داوود), و لعل دورها فى "سارق الفرح" أبلغ دليل على ذلك.

سيناريو الفيلم الذى كالعادة كتبه (داوود عبد السيد) بنفسه مأخوذ عن قصة قصيرة للروائى (خيرى شلبى), يدور بشكل أساسى حول التلاعب بالحلم, التلاعب بالرغبة, فعن التلاعب فى سينما (داوود عبد السيد) - سينما (المهمشين) كما يحب النقاد أن يطلقوا على سينما جيل الثمانينات - الأبطال لا يصارعون سلطة حكومية كالعادة, ولا قوانين , ولا يخوضون صراع لقمة العيش بالمعنى الشائع أيضًا, هم عادةً ما يصارعون أحلامهم ورغباتهم وذواتهم بشكل أساسى فى بيئة مغلقة عليهم وأحيانًا مغلقة فيهم. فى الفيلم تدور القصة الرئيسية حول "عوض/ماجد المصرى" الذى يحب "أحلام/لوسى" ويريد الزواج منها رغم ضيق حالته المادية فهو لا يستقر فى حرفة ويلتقط رزقه من الشارع كلما تطلب الأمر, المكان هو عشش عشوائية فوق هضبة المقطم يتقاسم الجميع فيها الهواء والماء والسجائر وأحيانًا الرغبات. نفهم فى البداية أن "شطة/محمد شرف" عاد من الخليج بجهاز كاسيت وتليفزيون وكل ما يتطلب الزواج من أنثى يفرغ فيها شهوته, وقد تجسدت أحلامه فى (أحلام). يسير مع والدته فى زفة يحيط بها الأولاد والبنات الصغار والسيدات فى المكان. المسيرة تسير على أغنية "فى بنت هاتتجوز" التى كتب كلماتها (داوود عبد السيد) ولحنها (راجح داوود), ليبدأ أول تعرف بين المُشاهد والفيلم الذى يأتى بأفكار إخراجية شاردة عن المعتاد. تدعم - فى نفس الوقت - جو الفيلم بشكل رئيسى , كلمات الأغنية بسيطة كاللحن, تحكى لنا فيها "تحية شمس الدين" بصوتها طقوس احتفالية الزواج فى تلخيص عام لهذه المؤسسة الإجتماعية التى يخوضها البشر: مؤسسة "الزواج". يوافق "المعلم بيومى/لطفى لبيب" الذى يعمل ماسحًا و مشرفًا فى أحد المواقف العمومية للسيارات على زواج "شطة" من ابنته فيجن جنون "عوض" محاولاً إنقاذ حلمه بالزواج من "أحلام" التى تحبه هى أيضًا. يلح على "المعلم بيومى" مصطحباً صديقه "عنتر/محمد هنيدى" و "عم ركبة/حسن حسنى" و أمه محاولاً عقد إتفاق للزواج من (أحلام). من هنا تبدأ رحلة الفيلم. على (عوض) من الآن وفى خلال 10 أيام أن يأتى بـ (غويشتين دهب عيار 18 مش 14) كما اشترط عليه (المعلم بيومى) ليتزوج (أحلام).

علاقة (أحلام) بـ (عوض) علاقة قديمة منذ كانا طفلين فى العشش. تحيط بعلاقتهما رغبة حسية غامضة وحب معقد من نوعٍ خاص, يتحايلان على الشهوة بالحبال والتلاعب!! التلاعب الذى تجيده (أحلام) بفطرتها الأنثوية. (أحلام) تحب (عوض) جدًا, لكنها تربطه بالحبال فى أحد الأبواب المتهالكة لعشة مهجورة فوق هضبة المقطم متواطئةً مع ما يريد من قبلات وأحضان, ثم تضربه بخيزرانة وهو مربوط فى الباب عقاباً له على صداقته بـ "نوال/عبلة كامل" التى تعرف عليها أثناء رحلته لجمع المبلغ المطلوب للزواج, تضربه حتى ينزف, حين يفك الناس وثاقه يسير بين العشش مضرجًا فى دمائه يغنى أغنية "هاتجوزها" التى كتبها أيضاً (داوود) والتى تدور حول فكرة واحدة أنه سيتزوج "أحلام" مهما حدث, فقط ليريها المر والذل والضرب, سينتقم منها بزواجه منها, فى إحدى اللقطات الفانتازية التى يغنى فيها (ماجد المصرى) أغنية "هاتجوزها" يسير ساحبًا وراءه مجموعة كلاب مكممة وحشية , ودافعًا أمامه "أحلام" من شعرها , مرتدياً غطاءاً أسوداً من القماش حول رأسه مربوط بحبل عند رقبته كزبانية الجحيم , و حين تتعثر محاولاته فى جمع المبلغ تتهدد أحلام (أحلام) فتغنى أغنية أخرى تعلن عدم تنازلها عن الزواج منه ماسكةً حبلاً غليظاً التقطته من أمام مستودع لمياه الشرب و تلفه حول رقبة (عوض) لتجره خلفها فى مشهد فانتازى آخر , كما تلفه حول نفسها و هى تغنى فوق فراشها حالمةً بالزواج منه متنهدةً باسمه. العلاقة بين "أحلام" و(عوض) من العلاقات المميزة التى لا أنساها بكل تعقيدها وبساطتها.

طوال رحلة (عوض) لجمع المال اللازم يأخد المشورة من أحد المقامات الموجودة تخص "سيدى أبو العلامات" كما ورد فى الفيلم. يبوح (عوض) بمشكلته لـ "أبو العلامات" طالبًا منه علامة تدله على التصرف الصحيح. استشاره 4 مرات طوال الفيلم انتهت 3 منها بعلامات تدله على الرأى الصواب: براز حمامة يسقط على رأسه من أعلى المقام, وقطعة فخار تنكسر فوق رأسه بعد إنتظار طويل زارته فيه (أحلام) مداعبةً أحلامه برقصها على أنغام أغنية أخرى كتبها (داوود) ولحنها (راجح) أيضًا, في المرة الثالثة ترعد السماء فيستدل بذلك أن "أبو العلامات" يوافقه على الخطة التى دبرها مع "نوال" بائعة الهوى, تلك الفتاة التى تعرف عليها فى إحدى مرات جلوسه على حافة الهضبة مع (عم ركبة) و(عنتر), فيقرر على إثر رعد السماء أن يسطو سطوًا مسلحًا على زبائن (نوال) الذين تستدرجهم إلى سفح الهضبة. وفى المرة الرابعة يرفض "أبو العلامات" أن يشير على "عوض" برأى ما فيمضى محبطًا.

من الشخصيات التى ينثرها (داوود عبد السيد) فى السيناريو - المكتوب بنكهة أدبية واضحة مستلهمًا روح أدب أمريكا اللاتنية - شخصية (عم ركبة) العجوز الحالم المعجون بشبق الشيخوخة, فهو يحب (رمانة) - أخت (أحلام) - حبًا جارفًا ,يشتهيها ولا يملّ شرب سبرتو ردئ مخلوط بمواد مخدرة كى ينسى عذابه فى حبها, شبقه وجنونه يجعلاه يشترى منظارًا مقربًا فى بداية الفيلم من أحد بائعى الروبابيكيا الذين يعرفهم فيشاهد بالصدفة النساء عاريات فى العشش التى تحيط به, يشاهدهم عن قرب يستحمون أو يجلسون على سجيتهم فى بيوتهم, يشاهدهم من خلال الأسطح و النوافذ الضيقة مستمتعًا بما يراه, تفضحه زوجته حين تلقى نظرة داخل المنظار, فلا تتردد عن فضح زوجها معلنةً أنه اشترى جهازاً "بيطلع النسوان عريانة", لتسير بعدها سيدات الحى ملفوفات فى حصر متربصات بكل من يحدق فيهن خائفات من آلة (عم ركبة) العجيبة. (داوود عبد السيد) لا يفوته فى هذا المشهد وجود سيدة لها رأى آخر فى موضوع "المنظار" تسير فى طرقات الحى العشوائى تتمايل وتتهادى مستعرضة تضاريس جسمها. شخصية (عم ركبة) من الشخصيات المميزة جيدًا, ينهى حياته قافزًا من فوق الهضبة بعد أن حقق حلمه وذاب فى جسد "رمانة" أخيرًا, ففيه استطاع أن يمتلك روحها بشكل شاعرى عميق جدًا بعد أن رقصت بتوجيه إيقاع دفه وعصاه الرفيعة فى أحد أعراس الحى. (رمانة) ذاتها أدركت أن (عم ركبة) قد امتلكها بهذا الرقص الشيطانى الذى تلبسها بإيعاز من ضرباته على الدف. مونتاج هذا المشهد و إيقاع الطبلة ورقص (حنان ترك) وديكور وإضاءة المكان ليلاً صنع غلالة سحرية بديعة وجعل (رمانة) تتبع (عم ركبة) إلى حيث يجلس على حافة الهضبة تاركةً يده تعتصر خصرها ثم تحضنه فى النهاية. يجرى (عم ركبة) إلى حافة الهضبة لا يطلب شيئًا بعد امتلاكه روح (رمانة) غير الطيران ليقع بعد أن لاعب أخيرًا حلمه ورغباته. عادة ما تنتهى روايات الأدب اللاتنيي بنهاية جنائزية للشخصية الحكيمة الخبيرة فى الرواية, وعادةً ما تكون تلك الشخصية طاعنة فى السن تشربت من ماء الحياة ما تشربت. انتهت حياة (عم ركبة) نفس النهاية حالمًا بالطيران من فوق هضبة المقطم.

"مطر/فتحى عبد الوهاب" - شقيق (عوض) - شخصية أخرى, يعمل طبالاً فى إحدى الملاهى الليلية, رأسماله الوحيد طيلة 3 أعوام قضاها طبالاً عبارة عن مجموعة ملابس وأحذية يختارها ويحافظ عليها باعتبارها واجهته فى العمل, مضحيًا فى سبيلها بأجره كاملاً. (مطر) يعود منزله فى الصباح الباكر لينام بعد ليلة منهكة, كان (عوض) قد سرق كل ملابس وأحذية أخيه ليبيعها متحصلاً على بعض نقود تساعده فى رحلته , يبلغ (مطر) الشرطة متهمًا (عوض) بالسرقة, باكيًا أشد البكاء فى حسرة على ضياع حصيلة عمله, لكنه يتنازل عن البلاغ الذى قدمه حين يدرك عبث الموقف وأن مكان إقامته الوحيد هو السرير المجاور لسرير (عوض) فى نفس العشة. يخرج من قسم الشرطة باكيًا بعد أن تلاعبت الحياة بمتعته الوحيدة, الحياة ربما تكون جميلة مغرية مفتوحة شهية غامضة لكنها لم تكن أبدًا عادلة.

رغم أنى لا أرى فى (ماجد المصرى) نموذجًا جيدًا للممثل الفنان الموهوب, إلا أن أداءه جاء مناسبًا تمامًا لأجواء (داوود عبد السيد) فى الفيلم, أداؤه التقليدى النمطى كان مناسبًا لشخصية (عوض), أيضًا بقية الممثلين كـ (حسن حسنى) و(حنان ترك) و(محمد متولى) و(عبلة كامل) و(فتحى عبد الوهاب) نجحوا تمامًا فى الرقص داخل السيرك الذى نصبه (داوود) بين العشش العشوائية فوق هضبة المقطم, سيرك ضخم للتلاعب بالأحلام.

فشخصية مثل "زينهم/محمد متولى" تتلاعب برغبات و أحلام "أحلام" , يروادها عن نفسها بحكمة مستغلاً حاجتها , , يربط ورقة بنكنوت قيمتها 10 جنيهات بخيط رفيع لا تراه "أحلام" أثناء مرورها أمام بيته المبنى بالطوب الأحمر من دورين , و حين تهمّ بالتقاط الورقة يراقصها بالخيط , ضاحكاً فى النهاية طالباً منها أن تصعد إليه كى يعتنى بتسرحة شعرها , الغواية من الأشياء التى يهتم بها "داوود" فى أفلامه جداً , الطابع السحرى و الداخلى للغواية , تصعد إليه "أحلام" ليصفف شعرها طالباً منها أن تزوره فى سهرته مع صديقتها "سمية/سلمى غريب" مقابل 100 جنيه قبل زواجها.

تتحدث جمل الحوار عما يدور فى عقل "داوود عبد السيد" من أفكار و رؤى , ينطقها الأبطال كلٌ حسب طبيعة دوره , فـ "أحلام" تصنف نظرات الذكور إلى جسدها فى الطرقات إلى ثلاث نظرات مختلفة (بصّة جعانة عاملة زى جمرة النار , تلسع) و (بصّة شبعانة حنينة زى الإيد لما تطبطب ع الكتف , تدفى , تاخدك فى حضنها و تضحك) و (بصّة تالتة خالص مالهاش مثيل , لا جعانة و لا شبعانة , زى الزيت التخين , الدافى , لما ينزل ع الجلد , بصة مالهاش طعم) , يذكرنى هذا الحوار بحوار "سيد مرزوق/على حسنين" فى فيلم (البحث عن سيد مرزوق) حين قسّم البشر إلى أربعة فئات (أسياد) و (عبيد) و (متمردين) و نوع رابع لم يذكره على ما أذكر ... "عم ركبة" نفسه يشكو فى بكائية حزينة أثناء توجعه فى حب "رمانة" : (ليه دايماً الحلاوة بتمسخّ , الجمال و الحلاوة بيخلصوا) معتقداً نفس الشئ فى "رمانة" نفسها فجسدها و حلاوتها سيزولان بعد أعوام من الزواج و لن تعود "رمانة" الشهية التى يتعذب برغبته فيها , دائماً فى جمل حوار "داوود عبد السيد" ما أشعر افتقاداً للنضارة , نضارة الحياة التى نبحث عنها.

رغم اختيار (داوود) لطبيعة صورة خشنة فى فيلم (سارق الفرح) ربما تكون نتيجة نوع شريط الخام الذى استخدمه فى التصوير, ورغم الإضاءة الخشنة أيضًا التى يغلب عليها ضوء النهار الساطع خاصة فى الطرقات والساحات المفتوحة للسماء بحكم طبيعة المكان, فضلاً عن الديكور المتقشف القاسى والجاف للغاية, برغم كل ذلك كله إلا أن ثمة نضارة أشعرها فى روح شخصياته, فى أحلامهم, فى التلاعب برغباتهم المحشورة فى أعمق نقطة لديهم, نضارة الحياة وصلتنى رغم خشونة الصورة التى صاغها بجودة عالية مدير التصوير (طارق التلمسانى) ومنسق الديكور (أنسى أبو سيف), مونتاج الفيلم واختيار اللقطات الثابتة فى الغالب للتقطيع بينها, إلى جانب اختياره لحجم لقطات أغلبها لقطات طويلة أو متوسطة لم يهتم فيها "داوود" كثيرًا بتكوين الكادر أو زاوية التصوير, إلا أنها أظهرت خشونة الملابس وطبيعة الحياة والأثاث والطرقات, وغيرها من تفاصيل المعيشة فى هذا الحى العشوائى فوق هضبة المقطم, وصنعت موسيقى (راجح داوود) الجو الذى يريده (داوود عبد السيد) فى الفيلم, سحرية الجوانب الداخلية المجهولة للشخصيات, مستخدمًا آلاته الأثيرة: (كلارينيت) يعلو فى لحظات شاعرية مبهجة إلى حد كبير, ليزايد على (فلوت) بارد متجهم , و(أبوا) حزينة عميقة شاردة تعكس الأحلام المنتهكة لشخصيات الفيلم.

Thursday, October 04, 2007

من روايـة إلى فيـلم

فى تحويل رواية الى فيلم سينمائى تقبع دائماً مجازفة , أثناء قراءتك لرواية ما فأنت تُخرجها بصرياً , تتخيل الأثاث الذى تعيش حوله الشخصيات , و اذا ما أخبرك الروائى أن لشخصيةٍ ما شارب رفيع تتخيل أنت على الفور الى أى مدى هو رفيع , قد تتذكر شارباً لقريب لك أو لشخص قابلته من قبل , ما أعنيه أنك تتخيل الرواية بصرياً بشكل من الأشكال , لذا حين يقوم مخرج بتحويل الرواية التى قرأتها أنتْ الى فيلم سينمائى فهو بطريقة أو بأخرى يتحدى خيالك , عارضاً عليك خياله الخاص و رؤيته البصرية لما قرأه كلاكما , أقول هذا لأن أمامى ثلاث نماذج مختلفة لثلاث روايات تحولت الى ثلاث أفلام سينمائية على أيدى ثلاث مخرجين.

هناك الكثيرون ممن يُشدّدون على ضرورة الفصل بين الرواية و الفيلم , على اعتبار أن كلاهما وسيط مختلف عن الآخر , هذا منطقى الى حد بعيد , لكنى لا أعلم على وجه التحديد كيف يتم هذا الفصل؟ إذا ما قرأت رواية ثم شاهدت فيلماً مأخوذاً عنها , فكيف يمكنك الفصل بين الاثنين , كيف يمكنك تجنب المقارنة بين الرواية و الفيلم؟ الا اذا كنت عضواً فى لجنة تحكيم مهرجانية أو اذا كنت لا تكوّن خيالاً بصرياً فى ذهنك عما تقرأه أو .... اذا كنت آلة!! , لن نسميها مقارنة , لأطلق عليها اسماً آخر لا تسعفنى ذاكرتى اللغوية الفقيرة على تذكره الآن ... أنا لا أملك أجوبة على أى حال , فقط سأتعرض للثلاث نماذج التى مررت بها.

(1)

قرأت رواية "عمارة يعقوبيان" لـ (علاء الأسوانى) قبل عام و نصف فى الطبعة الثانية التى أصدرتها دار مدبولى , كان تعليقى البسيط بعد القراءة أنها بالفعل رواية سينمائية , فقط , أما أدبياً فلن تعلق كثيراً فى الذاكرة الأدبية إلا لكونِها صَدَرت تحت ظرف سياسى و اجتماعى معين نلمسه جميعاً , لا أراها علامة أدبية تستحق كل هذا الاحتفاء و رأيى بالتأكيد سيكون مختلفاً , هى فى النهاية رواية سينمائية بأحداثها و بشخصياتها و بأماكنها و بغيرها من تفاصيل و مشهيات.

و سمعت مبكراً جداً أن (وحيد حامد) قد اشترى حقوق تحويلها الى سيناريو فيلم سينمائى , و لاحقاً عرفت - من باب الاشاعات - أنه قد أهداها لإبنه (مروان حامد) فى عيد ميلاده , المهم أن (عماد الدين أديب) تصدى لمهمة انتاج الفيلم مستعيناً بنجوم من أجيال مختلفة , و اكتمل الفيلم و رأيت الـ Trailer باللغة العربية و الانجليزية , ثم شاهدت الفيلم نفسه الصيف الماضى فى سينما "رينيسانس رويال" بالاسكندرية.

الرواية بسيطة لا تحمل لغة مميزة , فقط تحمل أحداثاً و شخصيات , تحويلها الى سيناريو لم أعتقد أنها ستكون عملية صعبة , ربما اخراجها هو ما سيستحق العناء , بالفعل قدّم (وحيد حامد) نقلاً مباشراً لأحداث الرواية بلا أدنى مجهود زائد , بل على العكس كان حضور العمارة فى الرواية أعمق بكثير عنه فى الفيلم بشكل واضح , من لم يكن قد قرأ الرواية قبل رؤية الفيلم كان يختلط عليه الأمر فيما يخص الشقة التى يقطن فيها (عادل إمام) مع أخته (اسعاد يونس) , هل تقع فى عمارة يعقوبيان أم الشقة التى تقع فيها هى مكتبه الذى يمارس فيه نزواته النسائية , فى الرواية أنت تعلم أن مكتب و جرسونيرة (عادل امام) هو الموجود فى العمارة , و أن الشقة التى طُرد منها تقع فى عمارة أخرى , هذا مجرد مثال لا ينتقص من سيناريو (وحيد حامد) , بل يؤكد فقط أن السيناريو لم يأت بجديد , و كذلك الاخراج , فكما تخيلت الرواية فى ذهنى كما صوّرها (مروان حامد) , فقط احتوى الفيلم على المشهيات اللازمة للسينما و للدعاية.

لم يقدم الفيلم قراءة مختلفة للرواية , شاهدته بلا منغصات , ما لفت نظرى هو (خالد الصاوى) يؤدى دوره لا بشجاعة فقط - فتلك أمور يسوّيها هو مع نفسه - بل بحرفية و بحساسية عالية أيضاً , ما استفزنى فقط هو الاستسهال فى التناول و أيضاً ذلك الاحتفاء الذى قام به صناع الفيلم أنفسهم لفيلم - هو من وجهة نظرى - عادى لم يفاجئنى , فضلاً عن الاحتفاء بـ (محمد عادل إمام) بدعوى أنه العوام ابن وز!! رغم المشهد الهزيل الذى أداه أمام (محمد الدفراوى) حين كان يخبره عن انتهاك جسده و هتك لعرضه فى السجن (هتكوا عرضى يا مولانا) .... قبل ذلك تأتى النصيحة المجانية التى تبرع بها أبوه (عادل إمام) فى بداية الفيلم لأحد الشباب بأن راحة البال هى مفتاح حياة جنسية ممتعة , ليؤكد أنه زير النساء الفاهم الخبير و هو ما يشدّد عليه فى الخمس أفلام الأخيرة له بشكل مقزز.

لا أملك الدخول فى تفاصيل اخراجية لـ (مروان حامد) , فذوقى يختلف مع النمط الذى يجسده هو و غيره حالياً , (مروان حامد) تلميذ نجيب لـ (شريف عرفة) - المخرج الحرفى الكبير - عمل معه كمساعد مخرج فى عدد من الأفلام , و أشدد هنا على كلمة "حرفى" فهذا سر اختلاف الأذواق , فى سينما (شريف عرفة) لا يدهشنى تغيير الزوايا فى المشهد الواحد و لا يدهشنى الاستخدام المفرط للكرين أو الشاريوه , و لا كثرة الفلاتر الملونة و لا تغيير العدسات باستمرار , وراء كل الأدوات و التكنيكات لابد أن يقبع شئٌ ما فنى , شئٌ ما يخطفنى ... لن يوافقنى الكثيرون لذا سألوذ بكلمة "اختلاف أذواق" كعادتى كلما ضاق الخناق , أريد فقط أن أٌذّكر بأن اخراج (مروان حامد) منذ "لماذا أطفئتى النور يا ليلى" يتّسم باللقطات الاستعراضية , كمشهد (عمرو واكد) فوق مأذنة الجامع يحاول مناجاة ربّه ليستمد منه القوة على الفتنة التى يعانى منها , صوّره (مروان) من كل الزوايا بشكل جعلنى أتقيأ , كان (عمرو واكد) فوق المأذنة , صوّره (مروان) من اليمين و اليسار و من أعلى و من أسفل , Tilt Up و Tilt Down , و من الأمام و من ظهره , كل هذا لم أرى له داعياً.

كذلك يطغى الاستعراض فى "عمارة يعقوبيان" و تحديداً فى تلك اللقطة التى لفتت نظرى و بشدة لثلاث عربات أمن مركزى , قبل تلك المظاهرة الهزيلة التى جاءت فى سياق الفيلم , العربات الثلاث التقطها (مروان) من الامام فى لقطة بعيدة , لم تكن العربات تسير فى طابور وراء بعضها كما هو الطبيعى , كانت تسير بتتابع هرمى غريب , عربة المقدمة يفصلها عن الرصيف التى تسير بحذاه مساحة ضيقة جداً , أضيق من تلك التى تفصل العربة الثانية و أضيق كثيراً فى حالة العربة الأخيرة , لا تسير العربات فى خط واحد , تسير فى خطوط متوازية خلف بعضها بشكل لم أفهمه , ربما لتظهر العربات الثلاث بوضوح فى لقطة بعيدة و هى متجهة نحو الكاميرا و بشكل مخيف مسيطر!!.

(2)

قرأت رواية "The Collector" التى كتبها الروائى الانجليزى John Fawles عام 1963 , و التى ترجمها (عبد الحميد فهمى الجمال) , قرأتها ضمن اصدارات "روايات الهلال" فى أغسطس 1992 تحت اسم "جامع الفراشات" , الترجمة جيدة الى حد ما , لكن الأخطاء المطبعية خصوصاً فى الثلث الأخير من الرواية كادت تهلكنى من الغيظ , أكملتها على أية حال , فالعناد كما أورثنى الكفر سيورثنى الهلاك , الرواية مسرحيّة بعض الشئ تعتمد على شخصين فقط و حدث واحد , رجل يختطف فتاة يحبها و يحبسها فى قبو بيت معزول فى ظل تهوية سيئة حتى تموت فى النهاية , الرواية بسيطة هى الأخرى تعتمد على حدث واحد ومكان واحد و شخصيتين كما قلنا , لا عجب أنها تحولت الى مسرحيات فى أكثر من بلد و الى مسلسلات , كـ (لينين الرملى) الذى مصّرها و مسرحها تحت اسم "الحادثة" و قدمت على خشبة المسرح فى التسعينات , و قام بدورى البطولة فيها (أشرف عبد الباقى) و (عبلة كامل).أخرج الفيلم المأخوذ عن الرواية المخرج الامريكى "William Wyler" تحت نفس الاسم "The Collector" عام 1965 بنجوم شباب غير معروفين وقتها - يذكرنى الممثل الذى قام بدور Grig بـ (محمد صبحى) بشكل غريب , الشكل المثلث لوجهه و هيئة جسمه النحيفة بل و طريقة حركته و نظراته و أداؤه - تم ترشيح الفيلم لنيل ثلاث جوائز أوسكار أساسية , شاهدت الفيلم بعد قراءتى للرواية و لا زلت ميالاً للمقارنة - أو ما اخترناه للتسمية - بين ما كوّنته فى ذهنى و ما رأيته فى الفيلم , الرواية مرة أخرى بسيطة و لا تحمل لغةً مميزة , تأتى شهرتها من الجو النفسى المشحون لتفسير و تحليل دوافع الشخصيات فى صراعهم المسرحى من شد و جذب طوال الرواية , أخرج "ويليام وايلر" الفيلم بنفس الروح , مع استبعاد بعض التفاصيل من الرواية لم يذكرها السيناريو , و اعتمد بشكل أساسى على نقاط أساسية أدّت الى تطور الاحداث , الفيلم هوليودى ستّينى جداً , بموسيقاه و أداء ممثليه و أسلوب المونتاج و الألوان و غيرها من تفاصيل بصرية أخرى , فى النهاية - فضلاً عن وفائه للرواية - جاء متقن الصنع.

الرواية و الفيلم على قدر من البساطة لم تشغلنى معها فداحة المقارنة , فحالها معى كما حدث تماماً فى "عمارة يعقوبيان" , الأحداث واضحة , الخط الدرامى بسيط بلا سرد أدبى معقد , كلاهما روايتان سينمائيتان , لاجديد فى تحويلهما لفيلم.

(3)

يختلف الأمر هذه المرة فربما تكون هذه هى التجربة الأصعب فى التنفيذ و الأكثر خذلاناً لى أيضاً , إنها رواية "كائن لا تحتمل خفته" التى كتبها Milan Kundera عام 1982 و نشرت فى طبعتها الأولى بالفرنسية عام 1984 , الطبعة التى قرأتها كانت الطبعة الثانية الصادرة عام 1998 بترجمة ممتعة لـ (مارى طوق) عن دار "المركز الثقافى العربى" , الرواية عبقرية لروائى مميز جداً و بلغة أدبية خاصة و بتكنيك كتابة صادم له طعم مختلف , استمعت بالرواية كما هو واضح , ثم شاهدت الفيلم الذى أخرجه "Philip Kaufman" تحت نفس الاسم "The Unbearable Lightness of Being" عام 1988 بإنتاج أمريكى قام بالأدوار الرئيسية فيه (Daniel Day Lewis) فى دور توماس , و (Juliette Binoche) فى دور تيريزا , و (Lena Olin) فى دور سابينا كما استعان كوفمان بـ (Sven Nykvist) مدير التصوير الذى رافق (Ingmar Bergman) فى العديد من أفلامه , خرج الفيلم بنكهة أوربية ظاهرية حيث تدور أحداثه فى التشيك كما هو الحال فى الرواية , الفيلم جاء وافياً تماماً لـ "أحداث" الرواية , مع ملامسة خارجية للشخصيات , لذا رغم المجهود المبذول خاب ظنى , Kundera استفاض و شرح بأسلوب خاص جداً شخصيات روايته , و هو الشئ الذى حمسنى لمشاهدة الفيلم , تطور الأحداث فى الفيلم جاءت مفاجئة و دوافع الشخصيات و أفكارهم تكاد تكون غير واضحة من فرط تسطيحها , لا أعلم لماذا توماس مقبل على الجنس ؟ لا أعلم لماذا عاد الى التشيك من سويسرا ؟ و أشياء عديدة أخرى لم أتبينها , فاستدعيتها من الرواية , ناهيك عن تجاهل بعض الخطوط الموجودة فى الرواية .... و لكن هذا لا يخصنى.

قرأت فى أخبار الأدب قبل أسابيع أن "كونديرا" لم يرض عن الفيلم و سيرفض أى عرض آخر لتحويل رواياته إلى أفلام , قرأت ذلك قبل أن أشاهد الفيلم , لم ألق بالاً فقد أختلف مع صاحب الرواية نفسه حول الفيلم لإختلاف الذوق بغض النظر عن كونه صاحب الرواية أو أن روايته أمتعتنى , فالسينما وسيط مختلف نتساوى أنا و هو فى كيفية استقباله , غير أنى بعد مشاهدة الفيلم وافقته.

تدور أحداث الرواية طوال 3 ساعات هى مدة الفيلم بقراءة مبسطة لخط واحد من الرواية , قراءة بسيطة لدخول قوات الاتحاد السوفييتى التشيك , قراءة بسيطة لشخصية توماس بل و مسطحة فى بعض الأحيان , هكذا جاء السيناريو , فكيف جاء الاخراج؟ ... الفيلم يحمل جواً و روحاً أوربية أساسية فى الأداء الحر للممثلين و الموسيقى الكلاسيكية المصاحبة , و بالطبع أماكن التصوير المميزة طوال الفيلم , لكنه فى النهاية فيلم أمريكى اعتمد على الخط الرئيسى فقط فى الرواية , الفيلم كما الرواية يمتلئ بالجنس بلا مواربة و هذا يحسب له , فالجنس عامل أساسى فى الرواية و فى تطور الشخصيات , غير أن المميز فى الرواية من تفاصيل و نفاذ ناجح داخل روح الشخصيات فضلاً عن مغزى عنوان الرواية تم تجاهله تماماً فى السيناريو , لا يصنع هذا مشكلةً فى رأيى كما قلت فهذا لا يخصنى اذا ما عوضنى الفيلم جيداً و هو لم يحدث.

كان لتجاهل أشياء مهمة للغاية فى الرواية , و الاكتفاء بعرض الأحداث و الشخصيات من الخارج دوراً رئيسياً فى القفزات المفاجئة التى حدثت طوال الثلاث ساعات , فجاء الفيلم عادياً بالمقاييس السينمائية عن رواية غير عادية بكل المقاييس , الجو الأوروبى المميز للفيلم يمكن له أن يحتوى أية نوعية من القصص و الأحداث - ربما هو ما أغرى المخرج - لكن لا خصوصية على الاطلاق لتحويل هذه الرواية بالذات.

----------

ربما جاءت آرائى متعسفة , لكنها ليست آراء بقدر ما هى تساؤلات عن طبيعة تحويل النصوص الأدبية لأفلام سينمائية , و التى أعتبرها مجازفة نجا منها القليلون , كـ (داوود عبد السيد) فى "الكيت كات" أو فى "سارق الفرح" , حين قدّم رؤية مختلفة تماماً عن النص الأدبى الذى حوّله لكنه لم يُفقد الخيال الخاص بالقارئ جماله و خصوصيته , لذا أُطلق عليه مخرج فنان لا مخرج حرفى , ربما لأن (داوود عبد السيد) مخرج بنكهة أديب.

Monday, September 03, 2007

كــده رضــا

كأهلاوى شاهدت مباراة الأهلى و الهلال فى البطولة الأفريقية للأندية الأبطال , و كمتابع لأفلام الصيف شاهدت أيضاً فيلم "كده رضا" فى نفس الأسبوع , و النتيجة .. صدرت منى - بتلقائية شديدة - ألفاظ فى غاية الأباحة و السفالة , فهزيمة الأهلى بهذا الشكل المهين فى أم درمان فى نفس الأسبوع الذى أتعرض فيه لهذا الكم من السخافة فى سينما (ريو) بالإسكندرية لهو شئ فوق الإحتمال ... فى النهاية إذا ما حصرت الأمر فى حدود فيلم "كده رضا" على اعتبار أن كرة القدم فى النهاية هى مكسب و خسارة على العكس من الأفلام , فلا أحد سيعوضنى الساعتين إلا ربعاً التى قضيتها أضرب كفاً بكف و أنا أشاهد "كده رضا" :

(1)- اسم الفيلم - "كده رضا" - يصلح ككثير من الأسماء لغيره من السيناريوهات بلا أدنى مخاطرة أو إحساس بالذنب , و ربما لو كان "أحمد حلمى" يقوم بدور "مغاورى" لكان اسم الفيلم "كده مغاورى" , لكنهم فى النهاية سموه "كده رضا" فقط لأن (القافية حكمت).

(2)- السيناريو هو التجربة الأولى لـ "أحمد فهمى" , و هى تجربة كان من الممكن جداً تجاهلها و عدم الإعتداد بها بحكم أنها أصبحت من نصيب "أحمد حلمى" الممثل الكوميدى الكبير و الذى لن يلتفت الجمهور لمشاكل السيناريو الذى يمثله , غير أن بعض الجمهور تساءل بصوتٍ عالٍ بعد إنتهاء الراوى من خطبته العصماء قبل نزول تترات البداية قائلاً : (هوه الفيلم كده خلص و للا ايه يا جدعان) , و لهم كامل الحق فى السؤال , فالراوى تقريباً حكى تيمة الفيلم الأساسية فى 3 أو 4 دقائق - (عشان ينجز و يبدأ على نضيف) - بشكل مطول جداً فشل معه فى محاكاة مثل هذه المقدمات فى أفلام أخرى معروفة كـ Le Fabuleux destin d'Amélie Poulain و غيره من تلك الأفلام التى تعتمد على الحكى الرشيق , لتصبح مقدمة "كده رضا" سرداً جافاً للأحداث على لسان راوى يمكن الإستغناء عنه دون ندم.

بعد المقدمة بدأ الفيلم فى ترتيب (اسكتشاته) القصيرة بتتابع على نفس التيمة , ثلاث أخوة توأم ماتت أمهم و هى تلدهم , تركتهم فى رعاية أبيهم - "هندى/لطفى لبيب" - الذى سجلهم بدوره فى سجل المواليد تحت اسم واحد هو "رضا" - قام بالأدوار الثلاثة "أحمد حلمى" - اتقاءاً للحسد و توفيراً لتكاليف تربية ثلاث أبناء فى نفس الوقت , و هكذا يلعب كاتب السيناريو على تلك التيمة فترة لا بأس بها مختلقاً المواقف التى تصل لـ 4 أو 5 اسكتشات ما بين القصيرة و الطويلة تحت دافع واحد و هو أن النصب يعتبر المصدر الأساسى لرزق هذه العائلة :

أ - فهم ينصبون فى مسابقة جرى جائزتها الأولى 10 آلاف جنيه بأن يقتسموا مسافة السباق بين ثلاثتهم .. تخيلت فى بداية هذا الاسكتش أن أحدهم سيبدأ السباق ليسجل وجوده بينما سينتظر أحد الإثنين الآخرين قرب النهاية ليجرى عدة أمتار متجاوزاً الخط و معلناً فوزه بالسباق , لكنى اكتشفت أنى قد نصبت بطريقة أفضل من طريقة السيناريست , فـ "أحمد فهمى" جعل الثلاثة يقتسمون مسافة السباق بينهم بالتساوى بحيث يعدو كل منهم جزء من السباق ليفوز الأخير بالجائزة بينما الباقى منهكون.

بـ - ينصبون أيضاً على جارهم الحلاق - "محمود أبو زيد" - فيبيعونه نظارة شمس يخبرونه أنها تكشف العورات بعد 3 ثوانى من ارتدائها .. لك أن تتخيل كم السماجة فى هذا الاسكتش.

جـ - كما ينصبون على "سعيد طرابيك" صاحب إحدى الحانات عن طريق بيع محلولاً مغشوشاً و كأنه نبيذ مستورد من اليونان , مقنعين إياه بذلك بظهور ثلاثتهم أمامه يتمايلون ليعتقد أن وجود ثلاث نسخ من نفس الشخص هو التأثير القوى للنبيذ.

و غيرها من المواقف المعتمدة على كونهم ثلاث أخوة توأم لا يعرف بأمرهم أحد و لا حتى الحكومة , يختبئون فى قبو و يخرجون من المنزل فرادى كل منهم له يومه , تدور هذه الاسكتشات بالتوازى مع عرض اختلافاتهم الشخصية عن بعضهم البعض , فأحدهم قاسى و جرئ : "البرنس" و الثانى مجنون كرة فشل فى الإلتحاق بالنادى الأهلى : "بيبو" و الثالث ضعيف مسالم : "سمسم" , و بحكم كونه أضعفهم و أكثرهم براءة , و لا يريد النصب مثلهم على خلق الله مفضلاً البقاء فى مصر على السفر معهم إلى الخارج يتردد "سمسم" على "خالد الصاوى" الطبيب نفسى ليستدل على طريقة حياة أفضل , بانتهاء الوقت المحتمل لاسكتشات "أحمد حلمى" المنفردة تظهر "منة شلبى/ندى" لتمنح كاتب السيناريو فرصة أخرى ينوع فيها على اسكتشات أخرى تعتمد أيضاً على تيمة الثلاثى التوأم التى رواها الراوى قبل نزول التترات.

هنا و حتى قرب نهاية الفيلم يسير الفيلم بثقة نحو تصنيف فيلم كوميدى صيفى من بطولة "أحمد حلمى" ... لكنه الطمع , فيتحول الفيلم بقدرة قادر إلى لغز على البطل أن يحله , يتحول إلى فيلم إثارة ذكرنى فى أكثر من تفصيلة فى نهايته بالفيلم الأمريكى Matchstick Men خصوصاً فيما يتعلق بشخصية "ندى" التى تعّلق بها "أحمد حلمى" و اجتهد فى مساعدتها و فيما يتعلق بالطبيب النفسى "خالد الصاوى" الذى يختزن أسرار "سمسم" , فضلاً عن طريقة كشف "أحمد حلمى" لخبايا الأحداث.

(3)- المخرج "أحمد نادر جلال" و منذ شاهدت إتقانه و إجادته فى فيلم "واحد من الناس" قبل عام و نصف و أنا أحرص على متابعة أفلامه , فما فعله وقتها مع سيناريو مستهلك و تيمة محفوظة لـ "بلال فضل" يستحق الإشادة , و لكنها صدفة على ما يبدو أو شئ ما آخر لا أعرفه , فمن غير المعقول ما رأيته فى فيلمه التالى "فى محطة مصر" لنفس الأبطال و كاتب السيناريو , و فى فيلمه الأخير "كده رضا" !! ... لا جديد فى الفيلمين سوى ما يحفظه الجمهور عن الفارق بين "كريم عبد العزيز" و "أحمد حلمى ", حيل الجرافيك و الكروما و غيرها من الأشياء المصنوعة بعناية لا تصنع فى النهاية مخرجاً , كما أن ايقاع الفيلم سواء فى السيناريو أو فى الصورة و المونتاج غير متقن بالمرة على العكس منه فى "واحد من الناس" , و لن يكفى "أحمد نادر جلال" كى يصبح مخرجاً كبيراً أن يظهر بنفسه داخل أفلامه فى لقطة يسرقها هنا أو هناك.

(4)- ليس من المخجل أن يقوم الممثلون ذوو الدم الخفيف و البديهة الحاضرة فى إلقاء النكات على المسرح كأى Standup Comedian محترم على مستوى العالم , كل ممثلى هوليوود المشهورين بالكوميديا فعلوا ذلك فى بدايتهم و حين انتقلوا إلى شاشة السينما اختلفت طبيعة الفكاهة التى يقدمونها مع الوقت , أما أن يظل "أحمد حلمى" يقدم النكات و الإفيهات الغير مرتبطة بأى شئ على سبيل السذاجة طيلة خمس أو ست أفلام قام ببطولتها فهو الشئ الكثير و المبالغ فيه جداً.

Sunday, August 12, 2007

الشبح

بغض النظر عن كون شركات الإنتاج المصرية تصرف للمُشاهد أغنية و عصابة و رجل أعمال و عدة مشاهد مطاردة و ضرب و قتال بالمسدسات و سيارات تتهشم على الطرق و الأرصفة فى كل فيلم أياً كان فإن فيلم "الشبح" كان موفقاً إلى حد ما فى كل هذه العطايا و الهبات التى تهبها لنا شركات الإنتاج فى مصر , أقول إلى حد ما لأن هناك عدة كيلوجرامات من الكوميديا تُصرف لنا أيضاً بحكم كوننا المصريون (دمنا خفيف مهما كان) , فلم لا نبيعه بعض الكوميديا !!

بداية الفيلم و حتى 45 دقيقة بعد نزول التترات كانت مبشرة للغاية , مبشرة بالنسبة لنوعية أفلام التشويق و الإثارة التى غزت سوق السينما المصرية , أقصد بالطبع أفلام التشويق التى يستلهمها كتاب السيناريو - و من بعدهم المخرجون - حرفياً من السينما الأمريكية بالرغم من كونى طيلة 25 سنة لم أرى عصابات تتقاتل بالمسدسات و لا تطارد بالسيارات فى شوارع مصر بهذه الإعتيادية الغريبة , لكنهم بالتأكيد سيخبرونى و يخبروك (عزيزيى المشاهد , إنه الخيال ....).

كاتب السيناريو - و المشارك فى إنتاج الفيلم - "وائل عبد الله" سبق له القيام بتجربة هذا النوع من الأفلام مع المخرجة "ساندرا نشأت" و بالتحديد فيلم "الرهينة" فى العام الماضى , كما أنه صاحب قصة فيلم "تمن دستة أشرار" التى كتبها كسيناريو "خالد جلال" و أخرجها كفيلم "رامى عادل إمام" .. إذن نحن نعرف إلى حد ما نوعية الأفلام التى تأثر بها و أحبها "وائل عبد الله" و قرر إدخالها بتوسع إلى سوق السينما التجارية فى مصر : أفلام التشويق و الإثارة , الأفلام الملغزة , المعتمدة على حبكة الأحداث و إخفاء الأسرار بمنطق مختلف عن منطق المخرج المصرى الجميل الراحل "كمال الشيخ" .. لن أدعى أنى من كارهى هذه النوعية كما أنى فى نفس الوقت لست من نوعية الجمهور الذى يمتلك القدرة على توقع الأحداث و استنتاج النهايات , و عند هذه النقطة "وائل عبد الله" - ككاتب للسيناريو - نجح إلى حد بعيد فى شد إنتباهى دون ملل و دون استسهتار بعقلية الجمهور معى حتى قبيل النهاية بفترة معقولة , اجتهد فى صياغة حبكة الفيلم و لعب فى زمن الفيلم و فى أماكن الأحداث بشكل أفضل إلى حد بعيد من تجاربه و تجارب غيره السابقة , فنحن أمام بطل يستيقظ من نومه فى أول مشهد ليجد جثة شخص مقتول على السرير المجاور له فى مكان ما لا هو و لا نحن نعرفه , السيناريو يخبرك دون ملل و بدون تأخير أن "أحمد عز" فاقد الذاكرة لا يعرف حتى اسمه و علينا تتبع الطريق الذى سيسلكه للكشف عن هويته و عن سر الجثة الغامضة التى وجدها إلى جواره , تتابع الأحداث و طريقة الكشف عن مفاتيح اللغز سارت بشكل منطقى و مميز , توقيت ظهور الشخصيات التى سيتعثر بها "أحمد عز" فى الفيلم كان توقيتاً منطقياً ساعد على حيوية السيناريو , حتى تورط المشاهدون تماماً فى الموضوع باتضاح خيوط اللعبة إلى الحد المناسب الذى يظل معه "وائل عبد الله" مخفياً شئ ما يجعلك بإستمرار جالساً على مقعدك بلا تأفف.

يوجد قرب نهاية الفيلم هذا المشهد المشهور الذى يتبرع فيه أحد الأبطال فيشرح اللغز أو السر إلى أحد الأبطال الآخرين ليعرف المشاهدون الجالسون فى القاعة المظلمة فى جوع لمعرفة سبب جلوسهم هنا , هذا المشهد مصنوع بوعى فى فيلم "الشبح" ففضلاً عن كون "صلاح عبد الله" ممثل متمكن يجيد هذه المواقف فإن وجود هذا المشهد فى السيناريو مبرر جداً بحكم أن "صلاح عبد الله/عبد الصمد" يشرح اللغز إلى "أحمد عز" الجائع مثلنا تماماً لمعرفة الحقيقة - لا تنسى أنه فاقد الذاكرة و استيقظ معنا على أحداث ساخنة متشابكة لم يحضر مقدماتها مثلنا تماماً على خلاف باقى أبطال الفيلم - بعد أن توحد معه الجمهور فى أول دقائق الفيلم.

أعتقد أن "أحمد عز" من الذكاء الكافى - أو من فرط (دعاء الوالدين) - بحيث يختار تلك النوعية من الأدوار التى يؤديها , تلك الأدوار التى لا تعتمد بشكل كبير على التعبير أو الإحساس أو حتى التشخيص , فى أفلام "أحمد عز" تكون القصة و عين المخرج هى البطل الرئيسى أما هو فمجرد ممثل يؤدى دوره لتحريك الأحداث , ذكاء يفتقد إليه باقى نجوم الصف الأول بإصرارهم على لعب كل شئ فى كل أفلامهم بغض النظر عن طبيعة السيناريو و عن طبيعة إمكانياتهم , لذا يظهر "أحمد عز" فى المقاس المناسب له و فى الملابس اللائقة له تماماً ليتطور فى هذه المنطقة من فيلم إلى آخر , فبالتأكيد هو الآن أنضج كثيراً من بدايته و قادر على العطاء أكثر بملامح وجه متناسقة تمكنه من أداء أدوار متلونة و مقنعة داخل الفيلم , أحياناً عندما يكون الممثل (صفحة بيضاء) يكون ذلك فى صالحه و صالح العمل لأنه لن يجيب إجابات ساذجة أو خاطئة.

يقول المخرج "عمرو عرفة" أن ألوان الفيلم معالجة بشكل جديد لم يستخدم من قبل, و هو شئ حقيقى و ملحوظ, غير أنه مفرط جداً, لون اللقطات معتنى به , كما أن الإضاءة و الفلترات التى استخدمها مدير التصوير "محسن أحمد" نجحت فى إعطاء بعد لونى لمكان و زمان الأحداث, لكنها كانت تثير ارتباكى أثناء المتابعة, خاصة مع تعدد أماكن التصوير فى أحداث السيناريو, فضلاً عن التنفيذ الغير لائق لنقلات الزمن بين المشاهد التى تدور فيها الأحداث, كان "عمرو عرفة" معنياً بإخراج كل خط من خطوط السيناريو بشكل بصرى مختلف عن الخطوط الأخرى لكنها كانت مختلفة بإفراط, كما أن (تصحيح الألوان) فى الفيلم كانت تشوبه مشكلة رغم الفكرة الطموحة التى ربما تؤتى ثمارها فى فيلم قادم لـ "عمرو عرفة", فى تقديرى المونتاج أيضاً ساعد فى محاولة الخروج بصورة مختلفة للفيلم, لأن المونتير "أحمد حافظ" صنع إيقاعاً حيوياً و نفذ المطلوب تماماً فى تلك النوعية من الأفلام خاصة فى مشهد المطاردة الذى يدور فى منطقة "جدران" بالإسكندرية بين "أحمد عز" و عصابة "باسم سمرة", ذلك المشهد ساهمت أغنية الفيلم فى تقديمه بشكل مختلف تماماً عن أمثاله فى أفلام أخرى , و بشكل جديد فى أفلام الألفية الثالثة فى مصر, أتى ذلك فى رأيى نتيجةً لعدم إعتماده على الكليشيهات التى نحفظها عن ظهر قلب و التى يظل فيها المُشاهد مطالباً بدموعه و نحيبه و تأثره لما يصنعه البطل و المخرج فى الفيلم, هذا المشهد بألوانه و بتصميم منطقة "جدران" و الفنار المجاور لها فى المكس , مع استخدام "محسن أحمد" لإضاءة ناعمة و صريحة فى أغلب لقطاته, كلها أشياء ساعدت فى تحريك الأحداث و حل مفتاح فى الحبكة, فى نفس الوقت الذى قدمت فيه صورة جميلة و إيقاع مناسب تماماً لهذا المشهد فى السيناريو.

الفكاهة التى كان يمثلها "محمود عبد المغنى" فى أدائه لدور "سليمان" فى الفيلم غيرت من ملامح الفيلم إلى حد كبير و أبطأت من إيقاعه فى أكثر من مكان, فى الأغلب فإن الفكاهة مصروفة للمشاهد فى الأفلام حتى لا يشترى من أى قاعة أخرى تعرض فيلماً آخر, فكل شئ موجود على طريقة (هاتلفْ تلفْ و تجيلى فى الآخر), أما شخصية "أحلام/زينة" فبالتأكيد لم يكن الفيلم بحاجة لها, لا أعنى أداءها أو أن تمثيلها جاء سيئاً, بالعكس فـ "زينة" قد أدّت المطلوب تماماً, لكن دورها المكتوب فى السيناريو لا فائدة منه على الإطلاق, و لم يجتهد "وائل عبد الله" فى خلق أى دور جدى مؤثر لها فى الأحداث, على العكس من شخصية "منة فضالى" على صغر مساحته, لكنه كان ضرورياً , "صلاح عبد الله/عبد الصمد" يجيد الرقص على الحبال بمهارة, أعنى حبال التمثيل فهو يجيد الإنتقال بين مناطق الأداء المختلفة, الخوف أن يصبح مكرراً و أن يختار أدواراً نمطية كـ "خالد صالح" على سبيل المثال.

يبقى أن هذا الفيلم رغم طموحه لن يبقى فى الذاكرة كعادة تلك النوعية من الأفلام بتلك النوعية من المشاكل.