Wednesday, February 20, 2008

عن الصنعة

من السهل أن تعتبر كلامى هذه المرة مزايدة رخيصة منى على فيلمين مصريّين عرضا فى موسم عيد الأضحى الماضى, لكنى فى الحقيقة غير مهتم على الإطلاق بهذين الفيلمين, فضلاً عن أنهما نجحا فى إستنزاف صحتى لفترة معقولة جداً بعد خروجى من السينما و لا داعى لمزيد, كل ما سأذكره يتلخص فى نقطتين بسيطتين تعتمدان على مفهوم "الدقة" فى صناعة السينما لا أكثر, لأنه كثر الترويج لفكرة أن المخرجين الجدد يجيدون صنعتهم و أن هذا مهم فى صناعة كصناعة السينما أكثر من غيره, لذا لن أتعرض هنا لتوجهات أو رؤى فنية لهذين المخرجين فقد أُسْقطت تماماً, سأتعرض لمدى دقتهم فى صناعة أفلامهم ذاكراً مثالاً بسيطاً للمخرج الإيطالى الشهير Luchino Visconti من فيلمه الرائع La Caduta degli dei أو "الملاعين" الذى أخرجه عام 1969, إن العصر الذى تدور حوله أجواء الفيلم هو العلاقات داخل عائلة ارستقراطية ألمانية بين الحربين العالميتين الأولى و الثانية, فى تصوير هذا الفيلم وضع "منسق المناظر" لوحةً ما فى قصر البارون Von Essenbeck, رآها Luchino Visconti فأخبر منسق المناظر أن هذه اللوحة لم يكن ليضعها بارون ألمانى فى هذا العصر, لأنها لا تعتبر من الفن الأصيل المناسب لقصور البارونات, رد عليه "منسق المناظر" ناقلاً وجهه بين اللوحة و بين المخرج قائلاً أن اللوحة ستظهر سريعاً فى اللقطة و لن تلفت انتباه أحد فى النسخة النهائية للفيلم خاصةً أنها مُعّلقة وسط كم هائل من اللوحات يزين بها البارون حوائط قصره, أخبره Luchino Visconti بأنه يكفى جداً أنها قد لفتت انتباهه, و من الوارد جداً أن تلفت انتباه مشاهد واحد ذكى سيهتم به Luchino Visconti أكثر من غيرِه من مشاهدى فيلمه.

1- فى فيلم "خارج على القانون" للمخرج (أحمد نادر جلال) إذا ما كنت رأيت هذا الفيلم العيد الماضى, يقوم ظابط مباحث المخدرات (أحمد سعيد عبد الغنى) بمراجعة ملف القضية الخاصة بمقتل (محمود الجندى) والد (كريم عبد العزيز) فى الفيلم, تلك القضية التى قتلته فيها قوات البوليس أمام عائلته بعد حصار منزله لأنه كان يتاجر فى المخدرات, يراجع (أحمد سعيد عبد الغنى) هذا الملف الضخم فى لقطات سريعة Photo Montage, من زوايا مختلفة ليلاً و هو جالس أمام مكتبه يرتدى حزام المسدس أسفل إبطه, إذا ما دققت النظر فى تلك اللقطات القريبة للورق الملقى أمامه فوق سطح المكتب ستجد أنها أوراق سيناريو الفيلم الذى كتبه (بلال فضل), و ستجد أن الصفحات معنونة بـ "المشهد رقم (12) نهار/خارجى", إذ يبدو هنا أن مساعدين المخرج تحت التمرين و مساعد المخرج الأول و المصور و منسق الديكور لم يجدوا ملفات ليضعوها أمام (أحمد سعيد عبد الغنى) وقت تصوير هذه اللقطة بالذات فألقوا بسيناريو الفيلم نفسه على سطح المكتب إنقاذاً للموقف.

2- فى فيلم "حين ميسرة" للمخرج (خالد يوسف) عندما يقوم (أحمد بدير) بتهديد (عمرو سعد) أمام جماعته الدينية المتطرفة, ينتقل من مؤخرة الكادر حيث كان يجلس إلى جوار (عمرو سعد) على الكنبة البلدى إلى مقدمة الكادر تماماً على مقعد أمام جهاز الكمبيوتر الذى يتراسل عن طريقه مع الزعماء الكبار للجماعة, جميع من شاهد معى الفيلم فى السينما لاحظ حركة أصابع (أحمد بدير) على الـ Keyboard, جميع من معى لاحظ أن توجيهات (خالد يوسف) لـ (أحمد بدير) قبل تصوير هذه اللقطة كانت كالتالى : "حضرتك يا أستاذ أحمد هاتقوم من الكنبة دى و تمشى لغاية الكمبيوتر تقعد تعمل نفسك بتكتب على الكمبيوتر حاجة عشان تبان مهم و بتشتغل بتكنولوجيا متقدمة, هاتقعد تخبط على الـ Keyboard بصوابعك بسرعة و انت باصص للشاشة أدامك .. كمان مرة معلش يا أستاذ أحمد بعد إذنك .. و انت اييييييه!!! باصص للشاشة أدامك, عشان يبان إنك صايع كمبيوتر و راجل خطير, لأن دا دورك فى الفيلم اللى الناس المفروض عرفته خلاص فى تسلسل الدراما فى الفيلم" و قد نفذ (أحمد بدير) طلبات المخرج بحذافيرها, ليظهر فى النهاية بضرباته على أزرار الـ Keyboard كرجل خطير لا يكترث لما يكتبه, يضغط الأزرار بعشوائية واضحة جداً للقاصى و الدانى, واضحة لما يجلس فى الصالة أمام الشاشة مباشرةً, أو من يجلس فى الكراسى الخلفية, ظهر و كأنه يعجن فطيرة عالية الكثافة.

Wednesday, December 12, 2007

Woody Allen

WOODY ALLEN: That's science. I don't believe in science. Science is an intellectual dead end.

DIANE KEATON: I see. You don't believe in science. And you also don't believe that political systems work and you don't believe in God, huh?

WOODY ALLEN: Right.

DIANE KEATON: So, then... what do you believe in?

WOODY ALLEN: Sex and death two things that come once in a lifetime ... But ... at least after death you're not nauseous.

"Sleeper" - 1973

- لا تملك مع Woody Allen غير أن تتابع عينين فزعتين خلف نظارة لا يخلعها أبداً , مع أداء متوتر دوماً فى مواجهة تفصيلات حياتية و نزوات يوقن تماماً أنه لا حل لها ولا فكاك منها .. و جسد نحيل لا يمنعه من التورط المستمر فى علاقات غرامية سواء فى حياته الشخصية أو فى أفلامه , دائماً ما يفشل فى الإحتفاظ بها و دائماً ما يمنعه توتره و قلقه البالغان من ممارسة الجنس فيها بشكل مرضى له و لشريكته ... إنه فى النهاية Woody Allen الذى يحب السينما و يحب نيويورك التى ولد بها , وصنع عنها فصلاً كاملاً مع Francis Ford Coppola و Martin Scorsese فيلماً أسموه New York Stories عام 1989.

WOODY ALLEN: That's quite a lovely Jackson Pollock, isn't it?

GIRL IN MUSEUM: Yes it is.

WOODY ALLEN: What does it say to you?

GIRL IN MUSEUM: It restates the negativeness of the universe, the hideous lonely emptiness of existence, nothingness, the predicament of man forced to live in a barren, godless eternity, like a tiny flame flickering in an immense void, with nothing but waste, horror, and degradation, forming a useless bleak straightjacket in a black absurd cosmos.

WOODY ALLEN: What are you doing Saturday night?

GIRL IN MUSEUM: Committing suicide.

WOODY ALLEN: What about Friday night?

"Play It Again, Sam" - 1972

لا تملك مع أفلام Woody Allen غير أن تبتسم .... تبتسم و أنت تتابع ثرثرته المتصلة حول كل شئ فى أفلام لا تتعدى مدتها الساعة و نصف الساعة ... يكتبها و يخرجها و يقوم بدور البطولة فيها أيضا أغلب الأحيان , كل كلمة كتبها طيلة 55 سنة - قدم خلالها 40 فيلماً حتى الآن - كانت على آلة كاتبة بنية اللون ألمانية الصنع يحتفظ بها منذ كان عمره 16 عاماً.

WOODY ALLEN: It's funny. l was once in a cab ... this was years ago.And l was pouring my heart out to the driver about all the stuff you were prattling on about life, death, the empty universe, The meaning of existence , human suffering .... And the cab driver said to me:You know .... it's like anything else.

"Anything Else" - 2003

فى الأول من ديسمبر الجارى ختم Woody Allen عامه الثانى و السبعين بعد أن كتب هذا العام فيلمه الواحد و الأربعون على آلته الكاتبة ذاتها.

Saturday, November 10, 2007

سـارق الفرح

دائماً يخطر ببالى هذا الفيلم, متذكرًا مشهد (حسن حسنى) وهو ينقر طبلته بعصاه الرفيعة لترقص (حنان ترك) على إيقاعها. جو المشهد بلقطاته وبتصاعد إيقاع الطبلة مع ارتجافات (حنان ترك) تصيبنى بنشوة مميزة تمزج بين الحسى والروحى, نشوة تسيطر علىّ تمامًا... قررت فى النهاية الإستعانة بنضارة سينما (داوود عبد السيد) والحديث عن "سارق الفرح" هربًا من الركود.

الفيلم من تأليف وإخراج (داوود عبد السيد), وأنتجه (سلطان الكاشف) - زوج (لوسي) - عام 1994. (لوسي) تحديدًا تعد من العلامات المهمة فى سينما (داوود), أيضًا أفلامها مع (داوود) تعد من العلامات الفارقة فى تاريخها. لا أنسى دورها فى فيلم "البحث عن سيد مرزوق". هى تستطيع ارتداء دور الأنثى المرسومة بعناية فى سيناريوهات (داوود), و لعل دورها فى "سارق الفرح" أبلغ دليل على ذلك.

سيناريو الفيلم الذى كالعادة كتبه (داوود عبد السيد) بنفسه مأخوذ عن قصة قصيرة للروائى (خيرى شلبى), يدور بشكل أساسى حول التلاعب بالحلم, التلاعب بالرغبة, فعن التلاعب فى سينما (داوود عبد السيد) - سينما (المهمشين) كما يحب النقاد أن يطلقوا على سينما جيل الثمانينات - الأبطال لا يصارعون سلطة حكومية كالعادة, ولا قوانين , ولا يخوضون صراع لقمة العيش بالمعنى الشائع أيضًا, هم عادةً ما يصارعون أحلامهم ورغباتهم وذواتهم بشكل أساسى فى بيئة مغلقة عليهم وأحيانًا مغلقة فيهم. فى الفيلم تدور القصة الرئيسية حول "عوض/ماجد المصرى" الذى يحب "أحلام/لوسى" ويريد الزواج منها رغم ضيق حالته المادية فهو لا يستقر فى حرفة ويلتقط رزقه من الشارع كلما تطلب الأمر, المكان هو عشش عشوائية فوق هضبة المقطم يتقاسم الجميع فيها الهواء والماء والسجائر وأحيانًا الرغبات. نفهم فى البداية أن "شطة/محمد شرف" عاد من الخليج بجهاز كاسيت وتليفزيون وكل ما يتطلب الزواج من أنثى يفرغ فيها شهوته, وقد تجسدت أحلامه فى (أحلام). يسير مع والدته فى زفة يحيط بها الأولاد والبنات الصغار والسيدات فى المكان. المسيرة تسير على أغنية "فى بنت هاتتجوز" التى كتب كلماتها (داوود عبد السيد) ولحنها (راجح داوود), ليبدأ أول تعرف بين المُشاهد والفيلم الذى يأتى بأفكار إخراجية شاردة عن المعتاد. تدعم - فى نفس الوقت - جو الفيلم بشكل رئيسى , كلمات الأغنية بسيطة كاللحن, تحكى لنا فيها "تحية شمس الدين" بصوتها طقوس احتفالية الزواج فى تلخيص عام لهذه المؤسسة الإجتماعية التى يخوضها البشر: مؤسسة "الزواج". يوافق "المعلم بيومى/لطفى لبيب" الذى يعمل ماسحًا و مشرفًا فى أحد المواقف العمومية للسيارات على زواج "شطة" من ابنته فيجن جنون "عوض" محاولاً إنقاذ حلمه بالزواج من "أحلام" التى تحبه هى أيضًا. يلح على "المعلم بيومى" مصطحباً صديقه "عنتر/محمد هنيدى" و "عم ركبة/حسن حسنى" و أمه محاولاً عقد إتفاق للزواج من (أحلام). من هنا تبدأ رحلة الفيلم. على (عوض) من الآن وفى خلال 10 أيام أن يأتى بـ (غويشتين دهب عيار 18 مش 14) كما اشترط عليه (المعلم بيومى) ليتزوج (أحلام).

علاقة (أحلام) بـ (عوض) علاقة قديمة منذ كانا طفلين فى العشش. تحيط بعلاقتهما رغبة حسية غامضة وحب معقد من نوعٍ خاص, يتحايلان على الشهوة بالحبال والتلاعب!! التلاعب الذى تجيده (أحلام) بفطرتها الأنثوية. (أحلام) تحب (عوض) جدًا, لكنها تربطه بالحبال فى أحد الأبواب المتهالكة لعشة مهجورة فوق هضبة المقطم متواطئةً مع ما يريد من قبلات وأحضان, ثم تضربه بخيزرانة وهو مربوط فى الباب عقاباً له على صداقته بـ "نوال/عبلة كامل" التى تعرف عليها أثناء رحلته لجمع المبلغ المطلوب للزواج, تضربه حتى ينزف, حين يفك الناس وثاقه يسير بين العشش مضرجًا فى دمائه يغنى أغنية "هاتجوزها" التى كتبها أيضاً (داوود) والتى تدور حول فكرة واحدة أنه سيتزوج "أحلام" مهما حدث, فقط ليريها المر والذل والضرب, سينتقم منها بزواجه منها, فى إحدى اللقطات الفانتازية التى يغنى فيها (ماجد المصرى) أغنية "هاتجوزها" يسير ساحبًا وراءه مجموعة كلاب مكممة وحشية , ودافعًا أمامه "أحلام" من شعرها , مرتدياً غطاءاً أسوداً من القماش حول رأسه مربوط بحبل عند رقبته كزبانية الجحيم , و حين تتعثر محاولاته فى جمع المبلغ تتهدد أحلام (أحلام) فتغنى أغنية أخرى تعلن عدم تنازلها عن الزواج منه ماسكةً حبلاً غليظاً التقطته من أمام مستودع لمياه الشرب و تلفه حول رقبة (عوض) لتجره خلفها فى مشهد فانتازى آخر , كما تلفه حول نفسها و هى تغنى فوق فراشها حالمةً بالزواج منه متنهدةً باسمه. العلاقة بين "أحلام" و(عوض) من العلاقات المميزة التى لا أنساها بكل تعقيدها وبساطتها.

طوال رحلة (عوض) لجمع المال اللازم يأخد المشورة من أحد المقامات الموجودة تخص "سيدى أبو العلامات" كما ورد فى الفيلم. يبوح (عوض) بمشكلته لـ "أبو العلامات" طالبًا منه علامة تدله على التصرف الصحيح. استشاره 4 مرات طوال الفيلم انتهت 3 منها بعلامات تدله على الرأى الصواب: براز حمامة يسقط على رأسه من أعلى المقام, وقطعة فخار تنكسر فوق رأسه بعد إنتظار طويل زارته فيه (أحلام) مداعبةً أحلامه برقصها على أنغام أغنية أخرى كتبها (داوود) ولحنها (راجح) أيضًا, في المرة الثالثة ترعد السماء فيستدل بذلك أن "أبو العلامات" يوافقه على الخطة التى دبرها مع "نوال" بائعة الهوى, تلك الفتاة التى تعرف عليها فى إحدى مرات جلوسه على حافة الهضبة مع (عم ركبة) و(عنتر), فيقرر على إثر رعد السماء أن يسطو سطوًا مسلحًا على زبائن (نوال) الذين تستدرجهم إلى سفح الهضبة. وفى المرة الرابعة يرفض "أبو العلامات" أن يشير على "عوض" برأى ما فيمضى محبطًا.

من الشخصيات التى ينثرها (داوود عبد السيد) فى السيناريو - المكتوب بنكهة أدبية واضحة مستلهمًا روح أدب أمريكا اللاتنية - شخصية (عم ركبة) العجوز الحالم المعجون بشبق الشيخوخة, فهو يحب (رمانة) - أخت (أحلام) - حبًا جارفًا ,يشتهيها ولا يملّ شرب سبرتو ردئ مخلوط بمواد مخدرة كى ينسى عذابه فى حبها, شبقه وجنونه يجعلاه يشترى منظارًا مقربًا فى بداية الفيلم من أحد بائعى الروبابيكيا الذين يعرفهم فيشاهد بالصدفة النساء عاريات فى العشش التى تحيط به, يشاهدهم عن قرب يستحمون أو يجلسون على سجيتهم فى بيوتهم, يشاهدهم من خلال الأسطح و النوافذ الضيقة مستمتعًا بما يراه, تفضحه زوجته حين تلقى نظرة داخل المنظار, فلا تتردد عن فضح زوجها معلنةً أنه اشترى جهازاً "بيطلع النسوان عريانة", لتسير بعدها سيدات الحى ملفوفات فى حصر متربصات بكل من يحدق فيهن خائفات من آلة (عم ركبة) العجيبة. (داوود عبد السيد) لا يفوته فى هذا المشهد وجود سيدة لها رأى آخر فى موضوع "المنظار" تسير فى طرقات الحى العشوائى تتمايل وتتهادى مستعرضة تضاريس جسمها. شخصية (عم ركبة) من الشخصيات المميزة جيدًا, ينهى حياته قافزًا من فوق الهضبة بعد أن حقق حلمه وذاب فى جسد "رمانة" أخيرًا, ففيه استطاع أن يمتلك روحها بشكل شاعرى عميق جدًا بعد أن رقصت بتوجيه إيقاع دفه وعصاه الرفيعة فى أحد أعراس الحى. (رمانة) ذاتها أدركت أن (عم ركبة) قد امتلكها بهذا الرقص الشيطانى الذى تلبسها بإيعاز من ضرباته على الدف. مونتاج هذا المشهد و إيقاع الطبلة ورقص (حنان ترك) وديكور وإضاءة المكان ليلاً صنع غلالة سحرية بديعة وجعل (رمانة) تتبع (عم ركبة) إلى حيث يجلس على حافة الهضبة تاركةً يده تعتصر خصرها ثم تحضنه فى النهاية. يجرى (عم ركبة) إلى حافة الهضبة لا يطلب شيئًا بعد امتلاكه روح (رمانة) غير الطيران ليقع بعد أن لاعب أخيرًا حلمه ورغباته. عادة ما تنتهى روايات الأدب اللاتنيي بنهاية جنائزية للشخصية الحكيمة الخبيرة فى الرواية, وعادةً ما تكون تلك الشخصية طاعنة فى السن تشربت من ماء الحياة ما تشربت. انتهت حياة (عم ركبة) نفس النهاية حالمًا بالطيران من فوق هضبة المقطم.

"مطر/فتحى عبد الوهاب" - شقيق (عوض) - شخصية أخرى, يعمل طبالاً فى إحدى الملاهى الليلية, رأسماله الوحيد طيلة 3 أعوام قضاها طبالاً عبارة عن مجموعة ملابس وأحذية يختارها ويحافظ عليها باعتبارها واجهته فى العمل, مضحيًا فى سبيلها بأجره كاملاً. (مطر) يعود منزله فى الصباح الباكر لينام بعد ليلة منهكة, كان (عوض) قد سرق كل ملابس وأحذية أخيه ليبيعها متحصلاً على بعض نقود تساعده فى رحلته , يبلغ (مطر) الشرطة متهمًا (عوض) بالسرقة, باكيًا أشد البكاء فى حسرة على ضياع حصيلة عمله, لكنه يتنازل عن البلاغ الذى قدمه حين يدرك عبث الموقف وأن مكان إقامته الوحيد هو السرير المجاور لسرير (عوض) فى نفس العشة. يخرج من قسم الشرطة باكيًا بعد أن تلاعبت الحياة بمتعته الوحيدة, الحياة ربما تكون جميلة مغرية مفتوحة شهية غامضة لكنها لم تكن أبدًا عادلة.

رغم أنى لا أرى فى (ماجد المصرى) نموذجًا جيدًا للممثل الفنان الموهوب, إلا أن أداءه جاء مناسبًا تمامًا لأجواء (داوود عبد السيد) فى الفيلم, أداؤه التقليدى النمطى كان مناسبًا لشخصية (عوض), أيضًا بقية الممثلين كـ (حسن حسنى) و(حنان ترك) و(محمد متولى) و(عبلة كامل) و(فتحى عبد الوهاب) نجحوا تمامًا فى الرقص داخل السيرك الذى نصبه (داوود) بين العشش العشوائية فوق هضبة المقطم, سيرك ضخم للتلاعب بالأحلام.

فشخصية مثل "زينهم/محمد متولى" تتلاعب برغبات و أحلام "أحلام" , يروادها عن نفسها بحكمة مستغلاً حاجتها , , يربط ورقة بنكنوت قيمتها 10 جنيهات بخيط رفيع لا تراه "أحلام" أثناء مرورها أمام بيته المبنى بالطوب الأحمر من دورين , و حين تهمّ بالتقاط الورقة يراقصها بالخيط , ضاحكاً فى النهاية طالباً منها أن تصعد إليه كى يعتنى بتسرحة شعرها , الغواية من الأشياء التى يهتم بها "داوود" فى أفلامه جداً , الطابع السحرى و الداخلى للغواية , تصعد إليه "أحلام" ليصفف شعرها طالباً منها أن تزوره فى سهرته مع صديقتها "سمية/سلمى غريب" مقابل 100 جنيه قبل زواجها.

تتحدث جمل الحوار عما يدور فى عقل "داوود عبد السيد" من أفكار و رؤى , ينطقها الأبطال كلٌ حسب طبيعة دوره , فـ "أحلام" تصنف نظرات الذكور إلى جسدها فى الطرقات إلى ثلاث نظرات مختلفة (بصّة جعانة عاملة زى جمرة النار , تلسع) و (بصّة شبعانة حنينة زى الإيد لما تطبطب ع الكتف , تدفى , تاخدك فى حضنها و تضحك) و (بصّة تالتة خالص مالهاش مثيل , لا جعانة و لا شبعانة , زى الزيت التخين , الدافى , لما ينزل ع الجلد , بصة مالهاش طعم) , يذكرنى هذا الحوار بحوار "سيد مرزوق/على حسنين" فى فيلم (البحث عن سيد مرزوق) حين قسّم البشر إلى أربعة فئات (أسياد) و (عبيد) و (متمردين) و نوع رابع لم يذكره على ما أذكر ... "عم ركبة" نفسه يشكو فى بكائية حزينة أثناء توجعه فى حب "رمانة" : (ليه دايماً الحلاوة بتمسخّ , الجمال و الحلاوة بيخلصوا) معتقداً نفس الشئ فى "رمانة" نفسها فجسدها و حلاوتها سيزولان بعد أعوام من الزواج و لن تعود "رمانة" الشهية التى يتعذب برغبته فيها , دائماً فى جمل حوار "داوود عبد السيد" ما أشعر افتقاداً للنضارة , نضارة الحياة التى نبحث عنها.

رغم اختيار (داوود) لطبيعة صورة خشنة فى فيلم (سارق الفرح) ربما تكون نتيجة نوع شريط الخام الذى استخدمه فى التصوير, ورغم الإضاءة الخشنة أيضًا التى يغلب عليها ضوء النهار الساطع خاصة فى الطرقات والساحات المفتوحة للسماء بحكم طبيعة المكان, فضلاً عن الديكور المتقشف القاسى والجاف للغاية, برغم كل ذلك كله إلا أن ثمة نضارة أشعرها فى روح شخصياته, فى أحلامهم, فى التلاعب برغباتهم المحشورة فى أعمق نقطة لديهم, نضارة الحياة وصلتنى رغم خشونة الصورة التى صاغها بجودة عالية مدير التصوير (طارق التلمسانى) ومنسق الديكور (أنسى أبو سيف), مونتاج الفيلم واختيار اللقطات الثابتة فى الغالب للتقطيع بينها, إلى جانب اختياره لحجم لقطات أغلبها لقطات طويلة أو متوسطة لم يهتم فيها "داوود" كثيرًا بتكوين الكادر أو زاوية التصوير, إلا أنها أظهرت خشونة الملابس وطبيعة الحياة والأثاث والطرقات, وغيرها من تفاصيل المعيشة فى هذا الحى العشوائى فوق هضبة المقطم, وصنعت موسيقى (راجح داوود) الجو الذى يريده (داوود عبد السيد) فى الفيلم, سحرية الجوانب الداخلية المجهولة للشخصيات, مستخدمًا آلاته الأثيرة: (كلارينيت) يعلو فى لحظات شاعرية مبهجة إلى حد كبير, ليزايد على (فلوت) بارد متجهم , و(أبوا) حزينة عميقة شاردة تعكس الأحلام المنتهكة لشخصيات الفيلم.

Thursday, October 04, 2007

من روايـة إلى فيـلم

فى تحويل رواية الى فيلم سينمائى تقبع دائماً مجازفة , أثناء قراءتك لرواية ما فأنت تُخرجها بصرياً , تتخيل الأثاث الذى تعيش حوله الشخصيات , و اذا ما أخبرك الروائى أن لشخصيةٍ ما شارب رفيع تتخيل أنت على الفور الى أى مدى هو رفيع , قد تتذكر شارباً لقريب لك أو لشخص قابلته من قبل , ما أعنيه أنك تتخيل الرواية بصرياً بشكل من الأشكال , لذا حين يقوم مخرج بتحويل الرواية التى قرأتها أنتْ الى فيلم سينمائى فهو بطريقة أو بأخرى يتحدى خيالك , عارضاً عليك خياله الخاص و رؤيته البصرية لما قرأه كلاكما , أقول هذا لأن أمامى ثلاث نماذج مختلفة لثلاث روايات تحولت الى ثلاث أفلام سينمائية على أيدى ثلاث مخرجين.

هناك الكثيرون ممن يُشدّدون على ضرورة الفصل بين الرواية و الفيلم , على اعتبار أن كلاهما وسيط مختلف عن الآخر , هذا منطقى الى حد بعيد , لكنى لا أعلم على وجه التحديد كيف يتم هذا الفصل؟ إذا ما قرأت رواية ثم شاهدت فيلماً مأخوذاً عنها , فكيف يمكنك الفصل بين الاثنين , كيف يمكنك تجنب المقارنة بين الرواية و الفيلم؟ الا اذا كنت عضواً فى لجنة تحكيم مهرجانية أو اذا كنت لا تكوّن خيالاً بصرياً فى ذهنك عما تقرأه أو .... اذا كنت آلة!! , لن نسميها مقارنة , لأطلق عليها اسماً آخر لا تسعفنى ذاكرتى اللغوية الفقيرة على تذكره الآن ... أنا لا أملك أجوبة على أى حال , فقط سأتعرض للثلاث نماذج التى مررت بها.

(1)

قرأت رواية "عمارة يعقوبيان" لـ (علاء الأسوانى) قبل عام و نصف فى الطبعة الثانية التى أصدرتها دار مدبولى , كان تعليقى البسيط بعد القراءة أنها بالفعل رواية سينمائية , فقط , أما أدبياً فلن تعلق كثيراً فى الذاكرة الأدبية إلا لكونِها صَدَرت تحت ظرف سياسى و اجتماعى معين نلمسه جميعاً , لا أراها علامة أدبية تستحق كل هذا الاحتفاء و رأيى بالتأكيد سيكون مختلفاً , هى فى النهاية رواية سينمائية بأحداثها و بشخصياتها و بأماكنها و بغيرها من تفاصيل و مشهيات.

و سمعت مبكراً جداً أن (وحيد حامد) قد اشترى حقوق تحويلها الى سيناريو فيلم سينمائى , و لاحقاً عرفت - من باب الاشاعات - أنه قد أهداها لإبنه (مروان حامد) فى عيد ميلاده , المهم أن (عماد الدين أديب) تصدى لمهمة انتاج الفيلم مستعيناً بنجوم من أجيال مختلفة , و اكتمل الفيلم و رأيت الـ Trailer باللغة العربية و الانجليزية , ثم شاهدت الفيلم نفسه الصيف الماضى فى سينما "رينيسانس رويال" بالاسكندرية.

الرواية بسيطة لا تحمل لغة مميزة , فقط تحمل أحداثاً و شخصيات , تحويلها الى سيناريو لم أعتقد أنها ستكون عملية صعبة , ربما اخراجها هو ما سيستحق العناء , بالفعل قدّم (وحيد حامد) نقلاً مباشراً لأحداث الرواية بلا أدنى مجهود زائد , بل على العكس كان حضور العمارة فى الرواية أعمق بكثير عنه فى الفيلم بشكل واضح , من لم يكن قد قرأ الرواية قبل رؤية الفيلم كان يختلط عليه الأمر فيما يخص الشقة التى يقطن فيها (عادل إمام) مع أخته (اسعاد يونس) , هل تقع فى عمارة يعقوبيان أم الشقة التى تقع فيها هى مكتبه الذى يمارس فيه نزواته النسائية , فى الرواية أنت تعلم أن مكتب و جرسونيرة (عادل امام) هو الموجود فى العمارة , و أن الشقة التى طُرد منها تقع فى عمارة أخرى , هذا مجرد مثال لا ينتقص من سيناريو (وحيد حامد) , بل يؤكد فقط أن السيناريو لم يأت بجديد , و كذلك الاخراج , فكما تخيلت الرواية فى ذهنى كما صوّرها (مروان حامد) , فقط احتوى الفيلم على المشهيات اللازمة للسينما و للدعاية.

لم يقدم الفيلم قراءة مختلفة للرواية , شاهدته بلا منغصات , ما لفت نظرى هو (خالد الصاوى) يؤدى دوره لا بشجاعة فقط - فتلك أمور يسوّيها هو مع نفسه - بل بحرفية و بحساسية عالية أيضاً , ما استفزنى فقط هو الاستسهال فى التناول و أيضاً ذلك الاحتفاء الذى قام به صناع الفيلم أنفسهم لفيلم - هو من وجهة نظرى - عادى لم يفاجئنى , فضلاً عن الاحتفاء بـ (محمد عادل إمام) بدعوى أنه العوام ابن وز!! رغم المشهد الهزيل الذى أداه أمام (محمد الدفراوى) حين كان يخبره عن انتهاك جسده و هتك لعرضه فى السجن (هتكوا عرضى يا مولانا) .... قبل ذلك تأتى النصيحة المجانية التى تبرع بها أبوه (عادل إمام) فى بداية الفيلم لأحد الشباب بأن راحة البال هى مفتاح حياة جنسية ممتعة , ليؤكد أنه زير النساء الفاهم الخبير و هو ما يشدّد عليه فى الخمس أفلام الأخيرة له بشكل مقزز.

لا أملك الدخول فى تفاصيل اخراجية لـ (مروان حامد) , فذوقى يختلف مع النمط الذى يجسده هو و غيره حالياً , (مروان حامد) تلميذ نجيب لـ (شريف عرفة) - المخرج الحرفى الكبير - عمل معه كمساعد مخرج فى عدد من الأفلام , و أشدد هنا على كلمة "حرفى" فهذا سر اختلاف الأذواق , فى سينما (شريف عرفة) لا يدهشنى تغيير الزوايا فى المشهد الواحد و لا يدهشنى الاستخدام المفرط للكرين أو الشاريوه , و لا كثرة الفلاتر الملونة و لا تغيير العدسات باستمرار , وراء كل الأدوات و التكنيكات لابد أن يقبع شئٌ ما فنى , شئٌ ما يخطفنى ... لن يوافقنى الكثيرون لذا سألوذ بكلمة "اختلاف أذواق" كعادتى كلما ضاق الخناق , أريد فقط أن أٌذّكر بأن اخراج (مروان حامد) منذ "لماذا أطفئتى النور يا ليلى" يتّسم باللقطات الاستعراضية , كمشهد (عمرو واكد) فوق مأذنة الجامع يحاول مناجاة ربّه ليستمد منه القوة على الفتنة التى يعانى منها , صوّره (مروان) من كل الزوايا بشكل جعلنى أتقيأ , كان (عمرو واكد) فوق المأذنة , صوّره (مروان) من اليمين و اليسار و من أعلى و من أسفل , Tilt Up و Tilt Down , و من الأمام و من ظهره , كل هذا لم أرى له داعياً.

كذلك يطغى الاستعراض فى "عمارة يعقوبيان" و تحديداً فى تلك اللقطة التى لفتت نظرى و بشدة لثلاث عربات أمن مركزى , قبل تلك المظاهرة الهزيلة التى جاءت فى سياق الفيلم , العربات الثلاث التقطها (مروان) من الامام فى لقطة بعيدة , لم تكن العربات تسير فى طابور وراء بعضها كما هو الطبيعى , كانت تسير بتتابع هرمى غريب , عربة المقدمة يفصلها عن الرصيف التى تسير بحذاه مساحة ضيقة جداً , أضيق من تلك التى تفصل العربة الثانية و أضيق كثيراً فى حالة العربة الأخيرة , لا تسير العربات فى خط واحد , تسير فى خطوط متوازية خلف بعضها بشكل لم أفهمه , ربما لتظهر العربات الثلاث بوضوح فى لقطة بعيدة و هى متجهة نحو الكاميرا و بشكل مخيف مسيطر!!.

(2)

قرأت رواية "The Collector" التى كتبها الروائى الانجليزى John Fawles عام 1963 , و التى ترجمها (عبد الحميد فهمى الجمال) , قرأتها ضمن اصدارات "روايات الهلال" فى أغسطس 1992 تحت اسم "جامع الفراشات" , الترجمة جيدة الى حد ما , لكن الأخطاء المطبعية خصوصاً فى الثلث الأخير من الرواية كادت تهلكنى من الغيظ , أكملتها على أية حال , فالعناد كما أورثنى الكفر سيورثنى الهلاك , الرواية مسرحيّة بعض الشئ تعتمد على شخصين فقط و حدث واحد , رجل يختطف فتاة يحبها و يحبسها فى قبو بيت معزول فى ظل تهوية سيئة حتى تموت فى النهاية , الرواية بسيطة هى الأخرى تعتمد على حدث واحد ومكان واحد و شخصيتين كما قلنا , لا عجب أنها تحولت الى مسرحيات فى أكثر من بلد و الى مسلسلات , كـ (لينين الرملى) الذى مصّرها و مسرحها تحت اسم "الحادثة" و قدمت على خشبة المسرح فى التسعينات , و قام بدورى البطولة فيها (أشرف عبد الباقى) و (عبلة كامل).أخرج الفيلم المأخوذ عن الرواية المخرج الامريكى "William Wyler" تحت نفس الاسم "The Collector" عام 1965 بنجوم شباب غير معروفين وقتها - يذكرنى الممثل الذى قام بدور Grig بـ (محمد صبحى) بشكل غريب , الشكل المثلث لوجهه و هيئة جسمه النحيفة بل و طريقة حركته و نظراته و أداؤه - تم ترشيح الفيلم لنيل ثلاث جوائز أوسكار أساسية , شاهدت الفيلم بعد قراءتى للرواية و لا زلت ميالاً للمقارنة - أو ما اخترناه للتسمية - بين ما كوّنته فى ذهنى و ما رأيته فى الفيلم , الرواية مرة أخرى بسيطة و لا تحمل لغةً مميزة , تأتى شهرتها من الجو النفسى المشحون لتفسير و تحليل دوافع الشخصيات فى صراعهم المسرحى من شد و جذب طوال الرواية , أخرج "ويليام وايلر" الفيلم بنفس الروح , مع استبعاد بعض التفاصيل من الرواية لم يذكرها السيناريو , و اعتمد بشكل أساسى على نقاط أساسية أدّت الى تطور الاحداث , الفيلم هوليودى ستّينى جداً , بموسيقاه و أداء ممثليه و أسلوب المونتاج و الألوان و غيرها من تفاصيل بصرية أخرى , فى النهاية - فضلاً عن وفائه للرواية - جاء متقن الصنع.

الرواية و الفيلم على قدر من البساطة لم تشغلنى معها فداحة المقارنة , فحالها معى كما حدث تماماً فى "عمارة يعقوبيان" , الأحداث واضحة , الخط الدرامى بسيط بلا سرد أدبى معقد , كلاهما روايتان سينمائيتان , لاجديد فى تحويلهما لفيلم.

(3)

يختلف الأمر هذه المرة فربما تكون هذه هى التجربة الأصعب فى التنفيذ و الأكثر خذلاناً لى أيضاً , إنها رواية "كائن لا تحتمل خفته" التى كتبها Milan Kundera عام 1982 و نشرت فى طبعتها الأولى بالفرنسية عام 1984 , الطبعة التى قرأتها كانت الطبعة الثانية الصادرة عام 1998 بترجمة ممتعة لـ (مارى طوق) عن دار "المركز الثقافى العربى" , الرواية عبقرية لروائى مميز جداً و بلغة أدبية خاصة و بتكنيك كتابة صادم له طعم مختلف , استمعت بالرواية كما هو واضح , ثم شاهدت الفيلم الذى أخرجه "Philip Kaufman" تحت نفس الاسم "The Unbearable Lightness of Being" عام 1988 بإنتاج أمريكى قام بالأدوار الرئيسية فيه (Daniel Day Lewis) فى دور توماس , و (Juliette Binoche) فى دور تيريزا , و (Lena Olin) فى دور سابينا كما استعان كوفمان بـ (Sven Nykvist) مدير التصوير الذى رافق (Ingmar Bergman) فى العديد من أفلامه , خرج الفيلم بنكهة أوربية ظاهرية حيث تدور أحداثه فى التشيك كما هو الحال فى الرواية , الفيلم جاء وافياً تماماً لـ "أحداث" الرواية , مع ملامسة خارجية للشخصيات , لذا رغم المجهود المبذول خاب ظنى , Kundera استفاض و شرح بأسلوب خاص جداً شخصيات روايته , و هو الشئ الذى حمسنى لمشاهدة الفيلم , تطور الأحداث فى الفيلم جاءت مفاجئة و دوافع الشخصيات و أفكارهم تكاد تكون غير واضحة من فرط تسطيحها , لا أعلم لماذا توماس مقبل على الجنس ؟ لا أعلم لماذا عاد الى التشيك من سويسرا ؟ و أشياء عديدة أخرى لم أتبينها , فاستدعيتها من الرواية , ناهيك عن تجاهل بعض الخطوط الموجودة فى الرواية .... و لكن هذا لا يخصنى.

قرأت فى أخبار الأدب قبل أسابيع أن "كونديرا" لم يرض عن الفيلم و سيرفض أى عرض آخر لتحويل رواياته إلى أفلام , قرأت ذلك قبل أن أشاهد الفيلم , لم ألق بالاً فقد أختلف مع صاحب الرواية نفسه حول الفيلم لإختلاف الذوق بغض النظر عن كونه صاحب الرواية أو أن روايته أمتعتنى , فالسينما وسيط مختلف نتساوى أنا و هو فى كيفية استقباله , غير أنى بعد مشاهدة الفيلم وافقته.

تدور أحداث الرواية طوال 3 ساعات هى مدة الفيلم بقراءة مبسطة لخط واحد من الرواية , قراءة بسيطة لدخول قوات الاتحاد السوفييتى التشيك , قراءة بسيطة لشخصية توماس بل و مسطحة فى بعض الأحيان , هكذا جاء السيناريو , فكيف جاء الاخراج؟ ... الفيلم يحمل جواً و روحاً أوربية أساسية فى الأداء الحر للممثلين و الموسيقى الكلاسيكية المصاحبة , و بالطبع أماكن التصوير المميزة طوال الفيلم , لكنه فى النهاية فيلم أمريكى اعتمد على الخط الرئيسى فقط فى الرواية , الفيلم كما الرواية يمتلئ بالجنس بلا مواربة و هذا يحسب له , فالجنس عامل أساسى فى الرواية و فى تطور الشخصيات , غير أن المميز فى الرواية من تفاصيل و نفاذ ناجح داخل روح الشخصيات فضلاً عن مغزى عنوان الرواية تم تجاهله تماماً فى السيناريو , لا يصنع هذا مشكلةً فى رأيى كما قلت فهذا لا يخصنى اذا ما عوضنى الفيلم جيداً و هو لم يحدث.

كان لتجاهل أشياء مهمة للغاية فى الرواية , و الاكتفاء بعرض الأحداث و الشخصيات من الخارج دوراً رئيسياً فى القفزات المفاجئة التى حدثت طوال الثلاث ساعات , فجاء الفيلم عادياً بالمقاييس السينمائية عن رواية غير عادية بكل المقاييس , الجو الأوروبى المميز للفيلم يمكن له أن يحتوى أية نوعية من القصص و الأحداث - ربما هو ما أغرى المخرج - لكن لا خصوصية على الاطلاق لتحويل هذه الرواية بالذات.

----------

ربما جاءت آرائى متعسفة , لكنها ليست آراء بقدر ما هى تساؤلات عن طبيعة تحويل النصوص الأدبية لأفلام سينمائية , و التى أعتبرها مجازفة نجا منها القليلون , كـ (داوود عبد السيد) فى "الكيت كات" أو فى "سارق الفرح" , حين قدّم رؤية مختلفة تماماً عن النص الأدبى الذى حوّله لكنه لم يُفقد الخيال الخاص بالقارئ جماله و خصوصيته , لذا أُطلق عليه مخرج فنان لا مخرج حرفى , ربما لأن (داوود عبد السيد) مخرج بنكهة أديب.