بشكل عام أنا مش حريف نقد سينمائى .... الفيلم الفلانى دا حلو عشان حلو , الفيلم التانى دا زبالة عشان زبالة .... عندى الاعتقاد دايماً ان ممكن بنفس عدد الكلمات و ترتيبها , أقدر أوصلك شعور ان الفيلم دا حلو لو عاجبنى , و سخيف لو مش عاجبنى , الكلام فى السينما تشويه , أياً كان صحة قناعاتى أو خطأها الواحد لا يملك امام أكياس الفشار سوى الاسترسال و زى ما تيجى .
انه Robert De Niro سائق التاكسى , الوحيد , الواقف على حافة الجنون , يعمل كسائق لتاكسى لا لشئ سوى لاستغلال تسكعه ليلاً , مصاب بالأرق , لا يستطيع النوم , يطلب العمل لثمانى ساعات صباحاً و ست ساعات ليلاً ... لم يظهر طيلة الفيلم نائماً أبداً , يبلغ من العمر 26 عاماً , و يرسل بين الحين و الآخر خطابات الى والديه فى عيد ميلادهما .
ستداهمك فى بداية الفيلم - و بين الحين و الآخر - لقطات قريبة على خلفية من موسيقة ساكس تزداد عنفاً حسب سخونة المشاهد , اللقطات القريبة يستعين بها Martin Scorsese لكل ما يلامس حياة Travis , عيناه الخاليتان من معنى , الصامتتان دوماً , المراقبتين أبداً لكل ما يحيط به , انه Robert De Niro الممثل القوى الحساس الملم بأقل خلجات و بتعبيرات وجهه , يمكنك لمس عصبيته المكبوته فى عينيه و حركات يديه بتحكم عالى منه فى استخدام أدواته كممثل , تابع محجرى عينيه يتحركان فى بطئ و ترقب يميناً و يساراً .



هو Travis اليائس من قذارة مدينته , المنغمس فيها بحكم وظيفته التى اختارها , يقل العاهرات و يسير أمام عصابات السود و المناطق الفقيرة التى يسكنونها كل ليلة .


المتعطش الى رفيق وسط غابته البرية الخالية , ففى النهاية Travis هو الانسان المثالى الذى يستطيع التمييز بين القبح و الجمال , لكنه تائه ... رومانسى لدرجة الاعجاب من أول نظرة , يكتب يومياته البسيطة بخط متعثر و بلغة ركيكة لكنها لغة تخصه وحده , يعجب بمسئولة دعاية لأحد مرشحى الحزبين الكبيرين فى أمريكا ... انها الفاتنة Betsy أو Cybill Shepherd .
على الهامش : هذا الجالس ذو اللحية الرفيعة مرتدياً القميص الأسود هو Martin Scorsese المخرج فى لقطة سرقها " بصياعة " ليتواجد فى الفيلم .
انه الانسان التلقائى البرى الذى لا يتردد فى دعوتها فوراً الى تناول القهوة معه بعد انتهاء عملها بكل وضوح و صراحة ... و توافق .

انه الانسان العشوائى المغلق على ذاته الذى لا يدرك عواقب دعوتها الى أحد تلك الأفلام الجنسية التى اعتاد مشاهدتها فى قاعات عرض نيويورك لقتل الأرق و الوقت.
على الهامش : يحكى Martin Scorsese أنه عانى مع الرقابة كثيراً لعرض هذا الفيلم .

يخسرها فى النهاية , هى كانت لاهية بالأساس تحس بالملل .... لا يتورع عن القتال من أجل الدفاع عما يريده ببساطة من لا يدرك العواقب .... المدينة تثقله بعنفها و قذارتها و تشوهها , و رغبته فى صحبة معها تتعثر لأسباب لا يفهمها , الفشل و الوحدة و قسوة مدنية و نصائح زملائه سائقو التاكسى القدامى عن الاحتفاظ دائماً بمسدس فى مجتمع نيويورك السبعينات , انه الانسان الذى فقد نفسه و كبت رغباته و احتجز نفسه داخل نفسه سيبدأ ممارسة العنف فى مجتمع العنف , سيبدأ فى الدفاع عن نفسه بنفسه , Robert De Niro نموذج مبكر من Edward Norton فى Fight Club .
اذا ما شاهدت الفيلم تابع أداء Robert De Niro فى استعداده للحرب الخاصة التى سيخوضها , و تابع لقطات Martin Scorsese الخاصة فى الاقتراب من العنف الداخلى المتراكم داخل بطل فيلمه بلقطات متوسطة من زوايا مختلفة , مع القطع فى المونتاج بين تلك اللقطات بشكل حاد لدرجة عصبية , و تابع اللون الأحمر فى كراسى السينما و فى ملابس الأبطال و بالطبع فى فلاتر التصوير بين المشهد و الآخر.





فى واحد من أجمل أدوارها المبكرة , تطل علينا Jodie Foster المراهقة التى هربت من أهلها و وحيدة مثله , تحاول الهرب من القواد Harvey Keitel الذى يستغلها فاستمرت فى احتراف الدعارة تحت امرته فى نيويورك التى لا ترحم , لا يمارس الجنس معها رغم انه دفع مقابل ساعة فى فندق مشبوه بل يدعوها - كما فعل مع Beatsy - الى تناول الطعام و الحديث عن الأبراج.

بالصدفة يجرب ترافيس بمسدسه شعور القتل حين يصطدم بسارق لاحدى البقالات , يمر الأمر بسهولة حين يتكفل صاحب البقالة بتغطية الحادث القتيل الأسود , ليؤمن أكثر بالعنف فيبدأ مذبحة هو بطلها لانقاذ Jodie Foster التى وضعها Paul Schrader (كاتب السناريو لأكثر من فيلم من أفلام Martin Scorsese).


لتفسير نهاية الفيلم هناك اتجاهين أفضل ثانيهما , بعد المذبحة التى أقامها ترافيس فى فندق الدعارة تمر الكاميرا بطيئة فوق رأسه و هو ينزف من رقبته قبل أن يسلم عينيه الى السقف و على وجهه ابتسامة رضا خفيفة , الأحداث - كما فى السيناريو - بعد هذا المشهد وردية تفيد بأن سائق التاكسى تم رعايته صحياً و أصبح البطلاً الذى أنقذ فتاة قاصرة من براثن قواد مستغل , الرصاصة التى أصابته لم تعطى أنصار الرأى الآخر - و أنا منهم - احساس أن من الممكن لترافيس أن يعيش , التفسير يقول أن كل ما حدث بعد هذا المشهد هو محض هلاوس غمرته و هو مقبل على غيبوبة عميقة نتيجة الرصاصة , كونه بطلاً تتحدث عنه الصحف و يشير اليه الناس و تصله برقيات و خطابات شكر و اعجاب من سكان هذه المدينة العنيفة , ما هو الا محض هلاوس انسان يبحث عن دور و وجده أخيراً فى ممارسة العنف من أجل شئ يؤمن به .
اختيار المخرج لطبيعة المونتاج الحاد فى أكثر من مشهد بشكل غير مسبوق وقتها فى سينما السبعينات ساعد كثيراً و بحساسية مفرطة فى أيجاد طابع العنف و القسوة ... لك أن تتخيل ان الكادرين التاليين متتالين تماماً فى الفيلم , غير سكورسيزى زاوية التصوير و حجم اللقطة بين الكادرين بدرجة تشعر معها بارتباك عيناك للحظة .
يقول Martin Scorsese : المشاهدون يعتقدون ان فيلم Taxi Driver فيلم مسل , نعم .. لكن العنف فيه ليس مسلياً , بل قبيحاً , أنا أتذكر أن ابنتى بلغتا 18 و 19 سنة قبل ان أسمح لهما بمشاهدة الفيلم .








